عند الحديث عن مهام ووظائف مؤسسات التعليم العالي ممثلة بالجامعات، والمعاهد العليا وما تقدمه للمستفيدين من طلاب، ومجتمع بشكل عام يكون التركيز على وظائف الجامعة كمؤسسة تعليمية وبحثية واجتماعية، ومن المعروف أن جميع الجامعات السعودية الحكومية، والأهلية جامعات شاملة عدا جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية فهي جامعة بحثية بالدرجة الأولى، وبذلك تتحدد وظائف الجامعات الشاملة في الجوانب التالية: التعليم والتعلم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، والوظيفة الأولى التي ستتم مناقشتها في هذا المقال هي واقع التعليم والتعلم، ومدى نجاح الجامعات في تحقيق أهداف هذه الوظيفة.
وعمليات التدريس والتعليم، والتعلم في الجامعات من الجوانب التي يدور حولها الكثير من الحديث، وعليها عدد من الملحوظات، ويوجه لها بعض الانتقادات في هذه الأيام؛ حتى تردد بين أفراد المجتمع أن "التعليم الجامعي ما هو إلا تعليم ثانوي مطور"، وقد تكون هذه الملحوظات موجودة في الجامعات السعودية وبدرجات متفاوتة، وذلك لأن الجهود التي تبذل في التدريس والتعليم في المرحلة الجامعية تتأثر بعدد من العوامل التي منها الإمكانات البشرية أو المادية، أو طبيعة المتعلم؛ فالتعليم والتعلم عملية يشارك فيها كل من الطالب الجامعي، وعضو هيئة التدريس، وتتأثر بالإمكانات المتاحة في البيئة التعليمية من معامل ومختبرات، وقاعات دراسية ذكية، وغير ذلك من الإمكانات الضرورية لنجاح عمليتي التعليم والتعلم، ونتيجة للتوسع الكبير في قبول الطلاب والطالبات في الجامعات كان هناك زيادة في عدد الطلاب في القاعات الدراسية عن الحد المتعارف عليه أكاديميا، وصاحب ذلك زيادة في القاعات الدراسية غير المجهزة، أو غير المناسبة كبيئة تعليمية، والأعداد الكبيرة من المتعلمين في القاعة الواحدة يؤثر بشكل مباشر على جودة التعليم، والتعلم، ويرى كثير من الطلاب أن البيئة الجامعية بشكل عام غير جاذبة لهم لأنها تفتقر للأنشطة التعليمية والأنشطة، والفعاليات غير المنهجية، كما ينقص الحرم الجامعي في كثير من الجامعات وسائل وأماكن الترفيه المناسبة للطالب في هذه المرحلة، فكأن الجامعة في هذه الحالة مدرسة تقدم الدروس النظرية فقط، وينتهي دورها بنهاية اليوم الأكاديمي والمحاضرات.
ومن المعروف أنه في حالة حدوث أي خلل في أحد مكونات العملية التعليمية فإن التدريس والتعليم والتعلم تتأثر بدرجة كبيرة، والطالب الجامعي في هذه الأيام الذي يمثل الجانب الأساس في العملية التعليمية يختلف تماما عن طالب الأمس في إمكاناته وتطلعاته واحتياجاته، وطموحاته ومعلوماته، وما يحدث في أغلب القاعات الدراسية في بعض الجامعات من تدريس وتعليم وتعلم لا يراعي هذه الجوانب، فطالب اليوم لا يريد أن يكون متلقيا للمعلومة، ويكون دوره سلبيا في عملية التعليم والتعلم، وهنا أرى من الضروري أن تتم مشاركة المتعلم في القاعات الدراسية، والخروج عن الطريقة التقليدية في التدريس، وأن يتحمل الطالب دورا كبيرا في عملية التعليم والتعلم، ويكون دوره إيجابيا في القاعة الدراسية، ولا بد من التعرف على الطلاب عن قرب في القاعات الدراسية للتعامل معهم بالطريقة أو الاستراتيجية التدريسية المناسبة لهم ولقدراتهم وتطلعاتهم، ولخبراتهم السابقة، كما أن اتجاهات الطلاب نحو التعلم الجامعي واقتناعهم بالتخصص الملتحقين به له تأثير مباشر على عملية التعلم وتحصيلهم العلمي، فعندما يكون الطالب مقتنعا فإنه سيبذل كل ما يستطيع في سبيل التعلم والتحصيل.
أما عضو هيئة التدريس فله دور كبير في عملية التعليم والتعلم، فعندما يكون متمكنا من تخصصه ولديه خبرة طويلة في التدريس في المرحلة الجامعية فهذا بدوره ينعكس إيجابيا على ما يحدث من تفاعل داخل القاعة الدراسية، ونتيجة للتوسع الكبير في الجامعات والكليات في مناطق ومحافظات المملكة تم التعاقد مع أو تعيين أعضاء هيئة تدريس تنقصهم الخبرة، وغير متمكنين بدرجات عالية من تخصصاتهم، وهذا لا شك انعكس سلبا على المتعلم، وقد يكون الحل المناسب للعجز النوعي والكمي في أعضاء هيئة التدريس ممكنا من خلال استقطاب الجامعات للمتميز من خريجي برنامج خادم الحرمين الشريفين، أو التعاقد مع الأكاديميين المعروفين في تخصصاتهم، ولا يلغي ذلك أهمية تعيين المعيدين المتميزين في كافة التخصصات، والجامعات مطالبة بالتخطيط والتنفيذ لدورات تدريبية تطويرية لأعضاء هيئة التدريس في أساليب واستراتيجيات التدريس، والتقويم الحديثة، ودورات متقدمة في التطبيقات التقنية في مجالات التخصص والتدريس، والتقييم.
وعند توافر الحد الأدنى من متطلبات العملية والتعليمية، والبشرية، والمادية فقد يكون لدينا تعليم وتعلم بمستوى مقبول، ويجب ألا تقتصر وظيفة مؤسسات التعليم العالي التعليمية على التدريس النظري من خلال المحاضرات الجافة التي ينقصها التفاعل بين أطراف العملية التعليمية، بل إن التنوع في الطرائق التدريسية مطلوب، كما أن تدريس كثير من التخصصات بحاجة إلى التدريس النظري والتطبيقي على حد سواء، وأن يكون هناك دور إيجابي للطالب في التعليم، والتعلم، لكي يكون هناك تعلم نوعي، وتكون مخرجات الجامعات ملبية لاحتياجات سوق العمل، وهذا يمكن تحقيقه في ظل الميزانيات العالية التي تخصص للجامعات، وفي حالة وجود قيادات عليا في هذه الجامعات تدرك دور الجامعات في المجتمع، وتعمل على تحقيق وظائفها، وأهدافها المخطط لها.