يشفق المرء على هيئة مكافحة الفساد، كل المواطنين الذين لهم شكوى وكل منهم يحتاجها في كلمة رأس.
سواء كانت المظلومية صغيرة أو كبيرة فهم يفكرون أولاً في هيئة مكافحة الفساد، ويحرضون كل من لم يسمع عنها أن يتجه إليها، وأعتقد أن اسم الهيئة جذاب جدا لكل متضرر حتى إنهم نسوا ديوان المراقبة وهيئة الرقابة والتحقيق، ولم يعد في بالهم إلا هيئة مكافحة الفساد.
لقد فقدوا الثقة في أجهزة الرقابة الموجودة داخل كل جهاز حكومي، لا يثقون أن أي إدارة عامة يمكن أن تنصفهم من منسوبيها.
في كل وزارة وفي كل فرع من فروعها إدارة اسمها إدارة المتابعة، ترتبط هيكليا بالمدير الأعلى للدائرة وتعد جزأ من مكتبه وذلك لضمان حرية عملها، ومن مهماتها الرقابة السابقة والمصاحبة واللاحقة، ومراقبة أداء أقسام الإدارة وتدفق معاملاتها بانتظام، ومراقبة خططها ومشاريعها والتأكد دائما بأن كل شيء يسير وفق النظام وبأمانة.
لكن لم نسمع أن أيا من هذه الإدارات كشفت، ابتداءً، فسادا داخل نطاقها وانحصر عملها في التحقيقات البسيطة وحصر الغياب، ولذلك صارت هيئة مكافحة الفساد هي ملاذ وغاية الناس متجاوزين الإدارة المعنية ووزارتها.
يرى الناس أن الهيئة قادرة على كشف كل فساد وإنصاف كل مظلوم، ومعاقبة كل مقصر، والهيئة لا يمكنها أن تكون كما يحلمون، وقرأت مؤخرا أنها تعتزم إنشاء مكاتب لها في كل الجهات الحكومية، وهذا طموح جيد لكنه سيجعل تهاون إدارات الرقابة الخاصة بالأجهزة نفسها شيئا طبيعيا، و يؤكد للناس عدم ثقتهم في إدارات الرقابة داخل الأجهزة، وستجد نفسها غارقة في موج القضايا دون كادر كافٍ، وستجد نفسها عالقة في الفسادات الصغيرة!
معالجة الفساد لن تنجح وتكتمل إلا بمعاقبة الفاسدين فاعلين ومتضامنين، فكشف فساد في مشروع مضروب لا يعني أن المهندس الحكومي وحده هو المسؤول، بل رئيسه معه، والمقاول معه، وكلهم يجب معاقبتهم، وهذا لا يتم إلا إذا قامت الجهات الحكومية الأخرى بواجبها، وإلا فابشر بطول رعاية يا مفسد!