هو تأبين من أجل الشكر. كي تعرف الملايين من الإخوة الأشقاء والوافدين أن الإخلاص والوفاء لا جنسية له ولا عرق، وكي يعرفوا أيضاً أن كل قطرة عرق صادقة تسكب في هذا المكان ستلقفها دموع الذين بكوا بالأمس راحلنا المغمور. نحن لا نؤبن اليوم سفيراً ولا وزيراً، بل نشكر كل محاسن أخ عربي جاء هنا، لينتهي أيضاً هنا، بعد أكثر من عشرين عاماً كان فيها مقيماً برتبة مواطن. أحببت كل من يخلص لهذه الأرض، وضاعفت حبي لكل من يخلص لها وهو يعلم أنها ليست أرضه ولا بلده.
لم أتقاطع مع الدكتور محمد سعد الدين بأكثر من دقائق شاردة متقطعة بين آن والفائت البعيد الذي يليه. وفي كل مرة أشاهده في ردهات مستشفى عسير المركزي كان يبهجني وهو يذرع المكان متأبطاً جسده الضخم ومتلبساً عرقه الغزير، ومهرولاً مع الضعفاء وذوي الحاجة. كان يشعرني أن كل مريض هو مريضه الخاص حتى لكأنك تراه آلة متحركة في كل عشرة أمتار من المبنى الضخم. لن ترفع عينيك هناك دون أن تراه وكأنه نسخة متكررة مطبوعة في كل قسم وعيادة .. وكم هم الذين خدموا وأخلصوا لأرض هم يعرفون أنهم زائلون راحلون منها في مقابل الذين هربوا أو تقاعسوا عن خدمة جذورهم في هذه الأرض. في المرة الأخيرة، كنت معه، ومعه لا تحتاج إلى توصية، وكم كان يغضبني بإهماله لحاجتي ونحن في منتصفها ليذهب مع تلك المرأة العجوز ويذرع بنا ردهات المكان ثم ينتهي من طلبها تماماً ثم يعود معي إلى مربع (الصفر) ليسألني: ماذا تريد؟.. هو تأبين من أجل الشكر. نيابة عن العجائز وأطراف البدو والتهائم والضعفاء الذين مروا بالآلاف على مكتبه ولم يعرفوا اسمه. هو تأبين من أجل الشكر لمواطن ظل لعشرين عاماً يحمل دفتر مقيم. هو تأبين من أجل الشكر لمخلص وفيّ سكب كل الوجه والحياء والعرق وحتى الدموع ثم رحل دون أن يسأل أو يطلب حتى مساحة قبر. شكراً شكراً محمد سعد الدين.. شكراً لمصر.