في الأسابيع الماضية، حدث تبادل اتهامات بين كل من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة" وأمانة منطقة الحدود الشمالية حول قضية مشروع حي الربوة بمدينة عرعر، حيث تؤكد "نزاهة" على وجود قصور وخلل في الأداء والإشراف على المشروع من قبل الأمانة، لترد الأمانة بأن هذا الكلام غير صحيح، بل إن القصور موجود في أداء الهيئة نفسها!

وتتلخص فصول القضية فيما نشر في "الوطن" بأن سكان حي الربوة يعانون من افتقار الحي للعديد من الخدمات البلدية والصحية، كما نشرت بعض الصحف الإلكترونية قصة حادث مروري وقع في حفرة مشروع الإنارة في الحي نفسه، ولهذا السبب قامت "نزاهة" بمخاطبة الأمانة حول هذا الموضوع، ولم تقتنع برد الأمانة والتي ترى أن نسبة إنجاز المشروع "لا بأس بها"، رغم أنها لم تتعدى نسبة (5%) من المدة المنقضية (29.62%)، ولهذا أوفدت نزاهة أحد مهندسيها للتحقق من شكاوى المواطنين، وقد خرج بالعديد من الملاحظات، لتبدأ فصول الاتهامات بين الأمانة ونزاهة.

وهنا سوف أناقش ملاحظات نزاهة ورد الأمانة عليها، مع التركيز على النقاط التي تسهم في رفع مستوى جودة الخدمات البلدية المقدمة إلى المواطنين، وكذلك تفعيل آليات مكافحة الفساد في مثل هذه القضايا، وذلك على النحو التالي:

أولاًـ ذكرت "نزاهة" في بيانها وجود منازل تمت إقامتها قبل البدء في تخطيط الشوارع، وتحديد مناسيبها، وهو ما سيجعل مناسيب بعض المنازل منخفضة عن منسوب الطريق، الأمر الذي سيسمح بدخول مياه الأمطار إليها، وجاء في رد الأمانة على هذه الملاحظة وجود: " بعض الأجزاء اليسيرة منها والتي تقع في مناطق منخفضة أو مرتفعة حسب طبيعة الأرض.. فقد تمت معالجتها بإيصال طرق عن طريق الحفر والردم، كما تمت حمايتها بحواجز خرسانية ومازال العمل جاريا بما تبقى"..

مما سبق يتضح وجود مخاطر لمياه الأمطار على بعض المنازل، ولم يتم تحديد عدد هذه المنازل ولا مستوى الخطر عليها، سواء من قبل الأمانة أو نزاهة، كما لم يتم التطرق إلى مشاريع درء مخاطر السيول عن هذا الحي، أو على الأقل وجود دراسة تحدد هذه المخاطر. وبما أن الأمانة تطرقت إلى أهمية التخطيط للشوارع والأحياء فلماذا يتم اعتماد المخططات السكنية دون استكمال بعض مشاريع البنية التحتية مثل شبكات المياه والصرف الصحي، وشبكات تصريف مياه الأمطار؟

ثانياً ـ لم ترد الأمانة على ملاحظة نزاهة والمتعلقة بعدم وجود لوحات تحذيرية ضوئية، مما يعرض مستخدمي الطريق أثناء الليل للخطر، وخاصةً أن أعمال الإنارة لم يتم البدء فيها بعد، حيث ذكرت الأمانة في بيانها أن: " جزءا من أعمال الإنارة معتمد ضمن أعمال المشروع، والمشروع له مدة محددة بموجب العقد ولم تنته بعد، علماً أن جميع الشوارع الرئيسية في هذا الحي مدرجة أعمال الإنارة فيها ضمن العقد، وأن الأمانة بالتنسيق مع المجلس البلدي تعمل سنوياً على توزيع ما يعتمد من مبالغ مالية وفقاً للأولويات التي يتم إقرارها ".. والسؤال المطروح هنا: كيف تكون أعمال الإنارة جزءا من العقد ويتم توزيع المبالغ المالية وفقاً للأولويات؟ أليس للمشروع مخصصات مالية معتمدة مسبقاً في الميزانية؟ وتكاليف العقد ألم يتم تحديدها مسبقاً وتم التعاقد مع المقاول على أساسها؟ وماذا عن وسائل الأمن والسلامة لمشاريع الأمانة.. هل يلتزم بها المقاولون؟

ثالثاً ـ ذكرت الأمانة في ردها مبررات عديدة لتدني نسبة الإنجاز في المشروع، من أهمها: أن المقاول لا يزال يتعذر بعدم وجود مادة البيتومين من شركة أرامكو، وعند تنفيذه هذه الطبقة سترتفع نسبة الإنجاز إلى أكثر من 40%!! وهذا يعني أن السبب الرئيسي لتأخر المشروع هو عدم توفر مادة "البيتومين"، فهل هذا المبرر صحيح؟ وهل قامت الأمانة بمخاطبة شركة أرامكو لتعرف السبب في عدم توفر هذه المادة؟ أم إن هناك أسبابا أخرى لم يتم الإفصاح عنها (مثل ضعف الإمكانات الفنية للمقاول، أو وجود إهمال وتقصير من قبله)؟

رابعاًـ ذكرت "نزاهة" في بيانها وجود "قصور في الإشراف والمتابعة الميدانية للمشروع، فالاستشاري المشرف لا يعرف الطريق إلى الحي"، وهذا السبب في الحقيقة لا يعد دليل إثبات قويا على ضعف الإشراف، وكان من الأجدر لنزاهة البحث في نظام الإشراف ككل، وذلك من خلال مراجعة عقد الاستشاري ومؤهلات مهندسيه وتخصصاتهم، ونوعية التقارير التي يكتبونها، ومقارنتها بالمعايير الفنية، مع عمل اختبارات القياس اللازمة على أرض الواقع، والأهم من ذلك أن يتم تحديد مخاطر الإشراف والتي تتمثل في التواطؤ مع المقاول أو الضغط عليه في سبيل مصلحة خاصة، أو في احتمال وجود ضغوط من قبل الأمانة لإجباره على استلام أعمال المشروع.

إن الأمر الإيجابي في هذه القضية، هو ظهور مثل هذه التصريحات على السطح الإعلامي، فمثل هذه القضايا في الغالب تكتنفها السرية وعدم الشفافية بين الأجهزة الرقابية والجهات الحكومية، وهي شبه متكررة عموماً في العمل الرقابي، وبسبب هذه السرية والتكتم الشديد انعكست بالسلب على أهمية المخالفات المكتشفة لتضيع في أدراج البيروقراطية، وتصبح مثل هذه القضايا مجرد روتين حكومي معتاد بين الجهة والرقابة.

وحتى نستفيد من نشر مثل هذه التصريحات والبيانات في الوسائل الإعلامية يجب أن نركز بالدراسة والتحليل على ما تضمنته هذه التصريحات من معلومات تصب في النهاية في مصلحة الوطن والمواطن، وأن نغض الطرف عن الاتهامات المتبادلة والبعيدة عن المهنية. لا أحد ينكر أن من حق الأمانة وكذلك نزاهة أن تدافع كل منهما عن موظفيها وعن التهم المنسوبة إليها، ولكن هذا لا يكون على حساب القضية نفسها، وكأن كل جهة تعمل في بيئة مثالية لا توجد فيها أخطاء ولا تقصير ولا مخاطر تهدد أعمالها وأنشطتها.