لا شيء أكثر من "الضجيج" هنا ولا أمر يعلو على "الصراخ"! تلوث سمعي يحيطك من كل الجهات. دعك من صراخ طفل الجيران الذي لا يحلو له أن يصدح به إلا وأنت تقترب من الانتصار على الأرق، فيعيد المواجهة بينكما للجولة الأولى! دعك أيضا من ممارسة بعض المراهقين حين تصدر عن مركباتهم أصوات مفتعلة، تكفي كمية الضوضاء فيها لإيقاظ سكان المدينة! ثم غض "السمع"عن ضجيج المعدات التي تعمل لراحتك وتعتذر لازعاجك في شارع منزلكم منذ ربع قرن! أنا هنا أتحدث عن "ضجيج" إعلامي.. "إزعاج" يصدر عبر الأثير، "صراخ" ينقل على الهواء مباشرة من موقع الحدث!
بسهولة تامة يمكنك ملاحظة ما سبق في بعض البرامج التي تتكون من ضيفين تتوسطهما طاولة كبيرة ومذيع يمارس دور "البنزين" الذي يُسكب حين تخبو "نار" النقاش بين الطرفين! في تلك البرامج ستستمع لقليل من المعلومات وكثير من الشتائم, هناك يكون كل شيء قابلا للـ"قذف"، وهناك يبلغ الضجيج منتهاه قبل أن تنتهي الحلقة على أصوات ارتطام الكراسي وتساقط تحف الديكور!
وبسهولة أكبر يمكنك رصد ذلك التلوث الضوضائي في الكثير من الأغاني التي تصادفك عبر الأثير.. تلك التي تتكون من مجموعة "كلمات" رديئة، وألحان تم استيرادها من ورش "سمكرة" السيارات، ثم تلاقح كل ما سبق مع صوت مغنٍ لا تعرف كيف ترك كل المهن المناسبة له على وجه الأرض ثم اختار أن يكون مطربا رغم ألا قواسم مشتركة بينهما! المزيج السابق سيجعلك زبونا دائما لعيادات الأنف والأذن والحنجرة!
على المستوى الرياضي تُصبح بعض البرامج الرياضية المتخمة بالضيوف بؤرا مثالية لتصنيع الضجيج الصوتي والتلوث الضوضائي.. فمكمن الإثارة هناك في ترك الحبل على الغارب من قبل المذيع،لتصبح موعودا بعد ذلك بالخروج المتكرر عن النص، موعودا بأن يتحدث الضيوف العشرة في ذات الوقت، وموعودا أيضا بأن يبدأ البرنامج ثم ينتهي قبل أن تفهم منه أي شيء!