يجد المبدع في نفسه – عادة - أنه لم يصل بعد، وأن عمله الآتي ما يزال على مشارف الأفق البعيد، وأن ما أنتجه حتى اللحظة لا يعدو تمهيدا لما هو آت، مما يجعله في قلق دائم حيال ما سيكون وما سيتفتق عنه ستار المكنون من هاجسه الصارخ في عالمه الداخلي، يتسلم الجوائز وتحمله المنصات وتحيطه الأصوات والأضواء فيما هو وسط كل هذا الضجيج الاحتفائي لا يسمع إلا صوتا واحدا يهز كيانه قائلا: لم تكتب بعد، لم ترسم بعد، لم تصدح بقصيدتك بعد!

حراك داخلي يأخذ المبدع - أيا كان مستوى نتاجه - إلى جزر متطرفة في أقاصي نفسه ليجلس وحيدا متأملا تلك التي لم تحضر، ومتى سيحملها بساطه السحري لتستحيل فعلا يتداول الناس شكله ولونه ومفرداته وموسيقاه؟ القصيدة المتمنعة كحورية البحر، الكامنة في أعماق الأعماق تُرى كيف الوصول إليها؟ الرواية المحلقة هناك في زرقة السماء متى ستحط بين يديه كحمامة بيضاء وديعة؟ اللوحة التي ما تزال بياضا يتحدى الريشة ويغيب في وهجها كل تعبير متى ستتيح خدها لقبلات اللون النزق؟ صراع ما بعده صراع يفتح على روح المبدع كينونة معجزة تقترب منه حتى يظنّ أنه يلمسها ثم لا تلبث أن تهرب سريعا مثل ريم شارد فيتعلق بصره بآثار الطريق خلفها والشوق يحدوه علها تطل تارة وتارات.

هنا لنا أن نرجو ألا يجد المبدع فرصة لتحقيق تلكم الأمنية، فلا الشاعر يجد نصه المبتغى، ولا السارد يحظى بقصته الشاردة، ولا الفنان يحتفي بصورته المشتهاة، وجملته المموسقة، وأن يبقى المبدع في رحلة السفر الممتدة باحثا ومتوقعا ومتوجسا يحيطه التجريب وتدهشه مفاجآت الطريق، ويعبث بروحه شعاع الأمل، نرجو ألا يتركه القلق والتململ في سبيل كنزه المنشود، ودانته الغارقة، وطيوره المرفرفة بعيدا، لكننا مع ذلك كله نأمل أن تصمد عزيمته، وتتجدد أدواته، وينفض عنه غبار الكسل كلما أرهقه الطريق، وبعدت به الشّقة، نطمح معه أن يصل إلى هدفه، ونغمز بعين خفية: أن لا.. حتى تستديم المتعة، ويتكاثر النتاج وتصقل التجربة.

قلق المبدع حالة موجبة إن أحسن إدارتها، لكنه عقبة إن هو استجاب لتهويماته التي تعمل على ترسيخ فكرة العجز عن الإتيان بجديد، قلق المبدع حافز ومعزز لفعل مختلف إن هو أبقى على جسر الوصال وألزم نفسه السير على الجادة دون كلل، ولهذا فكل المبدعين قلقون، وليس كلُّ القلقين مبدعين.