-1-
قال شاعر العرب الأعشى (ميمون بن قيس)، قبل الإسلام، وليس شاعر العرب الجاهلي، فأنا أرفض كلمة "جاهلية" لأن العرب لم يكونوا جهلاء قبل الإسلام - وإنما كانوا جهلاء بالدين الإسلامي الذي لم يكن قد ظهر بعد - بل كانوا أصحاب حضارة وحكمة، كما بيَّن لنا شيخ المؤرخين العراقيين الكبير جواد علي في سِفره الضخم بأجزائه العشرة (تاريخ العرب قبل الإسلام). قال هذا الشاعر بيتاً من الشعر، خلّده، وحفر اسمه في الذاكرة العربية المثقوبة، كما خلّدت بيوت أخرى من الشعر شعراء آخرين، اتسمت بالحكمة، ونفاذ البصر والبصيرة.
قال الأعشى البصير:
كناطح صخرة يوماً ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
-2-
ولم يردد العرب بيتاً من الشعر، كما رددوا هذا البيت في كل مناسبة، يرون فيها، أن لا فائدة من متابعة السير في هذا الطريق أو ذاك، أو في مناسبة أن أعداء الأمة العربية، والعقائد العربية، والتقاليد العربية، والثوابت العربية، والمقاعد الفكرية الخشبية العربية، هُمْ كمن يناطح صخرة صمّاء لا يضيرها شيء، ولا ينال الوعل منها إلا تكسير قرنيه. وحوّل العرب هذا البيت من الشعر إلى مثل سائر، فقالوا: "أحمقُ مِنْ ناطح صخرة". وحذّر العرب في أدبياتهم من الأحمق، فقالوا: "اتق الأحمق أن تصحبه، إنما الأحمق كالثوب الخلق، كلما رقعت منه جانباً، صفقته الريح وهناً، فانخرق سمعاً، فأساء إجابةً!".
-3-
كما كتب بعض العرب هذا البيت من الشعر، بماء الذهب، في أبرز كتب التراث الأدبية العربية كـ"نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري، و"نقد الشعر" لقدامة بن جعفر، و"لُباب الآداب" للثعالبي، و"كتاب الصناعتين" لأبي هلال العسكري وغيرها.
وعلّق البعض من الحكام العرب هذا البيت من الشعر في مراكز الشرطة، ودوائر المخابرات، وغرف تعذيب المعارضة، وفي الزنازين فوق مطارح نوم المساجين من السياسيين، لكي يُلقوا في روعهم، أن الدولة الديكتاتورية الاستبدادية الطاغية لا تقاوَم، وهي كالصخرة الصمّاء، لا يفيد من ينطحها غير تكسير القرون!
-4-
إن تراث العرب كبقية تراث الأمم الأخرى، مليء بالأمثلة والحكم التي تتوارثها الأجيال اللاحقة عن الأجيال السابقة، وتستفيد منها الأجيال اللاحقة في مواجهة متغيرات العصور والأيام. وتحاول أن تهدي بها الأحفاد، لعلهم يجدون فيها وبها سواء السبيل. ولكنا لاحظنا في الآونة الأخيرة، أن غالبية العرب، تستعمل هذه الأمثال والحكم، لتأكيد دور المعاندين، والمكابرين، والخياليين، والمغامرين، والمهووسين، والمستنجدين بالجان، ودعاة السحر والشعوذة، وأعداء الحداثة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية.
فبيت الشعر السابق، استُخدم عكس المراد منه، في النظرة الواقعية العقلانية إلى الأمور، وهو الغرض الأساسي الذي قيل من أجله، حسب ظني واعتقادي. وهو يمتُّ إلى السياسة، والحنكة، وحسن التصرف، أكثر مما يمتَّ إلى أي شيء آخر. ولو كان لدينا علم (أسباب القول) للشعر العربي قبل الإسلام، كما هو الحال في علم (أسباب التنزيل) بالنسبة لآيات القرآن الكريم، لأدركنا أن هذا البيت من الشعر، قيل كجزء من حكمة العرب الغنية قبل الإسلام، التي يقول عنها شيخ المؤرخين العراقيين جواد علي، في سِفره الكبير (تاريخ العرب قبل الإسلام) بأنها كانت حكمة مشهودة. ولكن بيت الشعر هذا، تحوّل إلى عصا غليظة يطرق بها المتشددون العقلانيين، ويستعملها الإرهابيون لكسر رؤوس الضحايا الأبرياء من المدنيين.
-5-
فالمتشددون المتناطحون بالفتاوى المتضاربة، الذين يضيرهم التجديد، ويهدد هذا التجديد مصالحهم، وربما يعزلهم عن دورهم الاجتماعي في الحياة، يرددون بيت الأعشى البصير في مواجهة دعاة التجديد (التيوس) الذي يناطحون صخرة الماضي، وفي مواجهة كل من ينادي بتحديث الحياة، وإخضاع الأحكام الاجتماعية والاقتصادية لظروف الزمان، واختلاف المكان، باعتبار أن الأحكام الاجتماعية والاقتصادية كانت ابنة ظروفها قبل 1500 كما يقول لنا العلاّمة التونسي، ورائد الإصلاح الديني، وداعية التنوير الأبرز، الشيخ الطاهر حداد في كتابه (امرأتنا في الشريعة والمجتمع، 1929).
-6-
لقد نُصح المتشددون بالوئام بدلاً من الصدام، وبعدم التناطح مع الأديان الأخرى، والثقافات الأخرى، والبحث عن صيغة للتلاقح بدلاً من التناطح، وبالتسامح بدلاً من التناطح، تأسياً برسول الله الكريم عليه الصلاة والسلام، في "صلح الحديبية"، الذي وجد عليه السلام، صخرة قريش أمامه، فلم يتحدها، ولم يناطحها، وإنما التف حولها التفاف العاقل الواقعي، وكُتب له الظفر في النهاية بفتح مكة العظيم. ورغم هذا، ما زلنا حتى الآن نقوم بالتناطح مع كل المختلفين معنا، ليس بقرون الوعول فقط، ولكن بأجساد الشباب والشابات التي تُشترى بالمال وبالوعود بالجنة، وتتحوّل إلى قنابل موقوتة، لقتل المدنيين من الأبرياء. فهل علمنا من هم (التيوس) في النهاية؟
-7-
في الجانب الآخر من التناطح، كان هناك تيوس عظام وجبابرة، استطاعوا – في العصر الحديث - أن يناطحوا الصخور الصماء عاماً بعد عام، ولمدة تزيد عن نصف قرن. فغالبية العرب ناطحوا الشرعية الدولية، وناطحوا القوى العظمى، في أمور شتى، في فلسطين، وغير فلسطين. ورغم أنهم نُصحوا بأن "تناطح الفعل السياسي العربي مع العالم على مسرح المعركة مع إسرائيل لمدة تزيد على أربعة عقود لم يفلح إلا في تكديس المكاسب لمصلحة إسرائيل" إلا أن العرب ما زالوا يمارسون "لعبة التيس والصخرة"، باعتبارهم من أهل الهمم التي تناطح السحاب. فبدلاً من أن يلتفوا حول الصخرة، لكي يجدوا مسالكهم الصحيحة، يناطحون هذه الصخرة، وصخوراً أخرى.
وأصحاب مواقف "الصمود والتصدي"، ما زالوا يناطحون الصخر، وما زالت قرونهم تتكسر، ولكنها تنبت ثانيةً من جديد، وتتكسر، وهكذا. ولم يدركوا حتى الآن أن كثيراً من الشعوب عندما رأت أن لا نتيجة إيجابية من مناطحة الصخر، التفّت حول الصخرة، وأخذت طريقها نحو الرقي والازدهار، وصانت قرونها، وقرون أبنائها في المستقبل!
لقد قضينا نصف قرن، منذ عهد الاستقلال العربي في القرن العشرين حتى الآن، ونحن كالتيوس نناطح صخورا عدة، دون أن نستعمل العقل في كيفية الدوران حول هذه الصخور، بدلاً من أن نناطحها. فكانت النتيجة قبض الريح، الذي في أيدينا الآن!