إذا أردت نشر سر فقل للسامع أرجوك لاتنشره!! فيجيبك سرك في بحر غميق، لتكتشف أنه سطح ماء ضحل والسر ريح فيها الخبر انتشر.

ومن يريد أن ينشر اسمه ويذيع خبره فليهاجم شخصيات كبيرة ويتعرض لمحرمات ممنوعة.

ولو بقي نصر حامد أبو زيد في مصر لما ذكره أحد ولكن الأزهر جعل منه بطلا عالميا للفكر الحر.

وبقيت قصة وليمة أعشاب البحر دهرا لم يقرأها سوى عشرة أشخاص ولكن التحريم والتجريم جلب لصاحبها ثروة طيبة من رواج قصة بارت واندثرت.

وسلمان رشدي التعيس جعل منه الخميني شخصية عالمية يحتفي بها كلينتون وبلير ونصف درزن من رؤساء الاتحاد الأوروبي والمدافعين عن حق التعبير في شتم الأنبياء؟ وهكذا فقصة المحرمات والممنوعات ينطبق عليها هذا القانون النفسي يا خبر بفلوس يأتيك غدا بالبلاش.

وكلما حصل التشدد في المنع زاد تعلق النفس به لمعرفة المجهول والولع بالغائب والدهشة للبعيد المستتر. فمن يريد نشر كتاب فليحرمه وليجرمه ولو ترك عبدالناصر سيد قطب بدون شنق وخنق لما انتشر كتابه في ظلال القرآن وإعادة طبعه ألف مرة ويطير اسمه أنه الشهيد. ولو عاش قطب لأيامنا الحالية لكان رجلا عاديا يأكل القديد والكليجا يوم العيد، وربما بقي من كتبه ليس معالم في الطريق بل السلام العالمي والإسلام.

فهذا هو قانون التنافس البشري.. وفي مجتمعاتنا العربية يوجد تابو لايجوز لمسه، ومن نظام التحريم وعدم تأسيس العقل النقدي تشكلت بشكل تلقائي ثلاث ظواهر: ففي (السياسة) عششت التنظيمات السرية تحت الأرض، وانفجر العنف، وتعسكر المجتمع، واختفت الحياة المدنية، وسرت حالة الطوارئ إلى أجل غير مسمى.

وأمام (التعصب) تشكلت ظواهر الهرطقة والرفض.

وفي (الجنس) أغلقنا الطريق أمام تشكيل أي ثقافة جنسية تمزج الحياء بالعلم.

لابد إذاً من تشكيل التيار العقلي النقدي؛ كي تتحرر حركة العلم، وينشط التفكير الحر بدون خوف من المساءلة، فيخترق التابو، ويسلط أشعته على السياسة فيعري آلياتها، وأسرار الجنس وخفاياها المشحونة بالهلوسة والمعقد والغريب، فينشئ ثقافة جنسية صحية. والدراسة النقدية للنصوص فيعيد اكتشاف اللحظة التاريخية، كيف يولد الدين كقوة تحريرية؛ لينقلب لاحقاً على يد فريق من أتباعه إلى كوابح عقلية وإرهاب فكري.

يجب أن نعترف أن الغرب تمكن من تفكيك هذه الاشكالية؛ فأوجد في السياسة الديموقراطية، وهي ليست سدرة المنتهى ونهاية الرحلة، بل شكل متقدم للتفاهم البشري بدل الطاغية والطغيان والحبس والفلق.

وتشكلت عنده حرية الاعتقاد دخولا وخروجا، ولم يعد الجنس تابو.

والطاقة الجنسية كأي طاقة تخضع لثلاث معادلات بين الكبت والتنظيم والإطلاق؛ فالجنس ليس عيباً أو حراماً أو سراً؛ ومازالت الثقافة العربية تعيش مفاهيم العيب والحرام والمخفي.

وأعجب ما نشرت صحيفة الوطن السعودية خبر الاعتداء على طبيب سأل المريضة عن مكان وجعها، وأذكر من القامشلي (حسن مصروع) حين سألته الشرطة عن اسم زوجته في الإحصاء فهددهم أن لن يفشي سر (اسم الزوجة) ولو جاءت كتيبة مسلحة؟