القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي حمل بين طياته لغة التحدي العلنية الصريحة في الكثير من آياته وعلى أصعدة مختلفة، منها ما يُعنى بالإبداع اللغوي والفن البلاغي، وهو بذلك ينجح في حشد أكثر عدد ممكن من المراهنين من حوله. وهو ذكاء خطابي له مقاصده دون شك. وذلك ناتج عن الثقة العظيمة التي يتمتع بها القرآن فيما جاء به من جهة، وما جاء عليه من جهةٍ أخرى.
وتبرز قوة البيان القرآني في التحدي المستمر للمتغيرات الزمنية، والقدرة على المعاصرة ومواكبة التنوع الثقافي الهائل باقتدار. ويراهن على قدرته في التماهي مع الفوارق الزمنية، التي تحفل دائماً بكثير من الأطروحات الفكرية والتكوينات والأنماط الاجتماعية الإنسانية، ما يُحرض على التأمل في القيمة الفنية العالية للغة النص القرآني وفلسفة بنائيتها، في محاولة مستمرة للتواصل مع ثراء اللغة وعمق النص إلى أقصى حدٍ ممكن. وتجاوز المرتبة الإبداعية لعبقرية اللغة السردية الخطابية والشعرية التي فتنت العرب على الدوام، وهي التي اتخذ منها القرآن الكريم ركيزة من ركائزه الأساسيةً في بناء نص خطابه الذكي، الذي أدهش العرب حالما سمعوه أول مرة. وهز عرش فقههم باللغة وأسرارها، حتى اختلطت عليهم مفاهيم إبداع اللغة وعبقريتها. ما جعلهم يتباينون في تصنيف ماهية نوعه ومصدره، فذهبوا إلى وصفه بكلام شاعر، أو مجنون، أو ساحر، أو إيحاءات الجن.
يقول الدكتور (جاري ميلر) أستاذ الرياضيات والمنطق بجامعة تورنتو، (مُبشر مسيحي) سابق أعلن إسلامه فيما هو يراجع القرآن باحثاً عن الأخطاء، التي كان يأمل العثور عليها لتقديمها كبراهين على تناقضه: "إن من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر، هو مبدأ إيجاد الأخطاء أوتقصيها في النظريات إلى أن تثبت صحتها، وتُعرف بــ (Falsification tests)، والعجيب أن القران الكريم يدعو جميع المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه ولن يجدوا". وهو ماجاء في الآية الكريمة: (أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)". ثم يقول: "لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة على تأليف كتاب، ثم يُعلن خلوه نهائياً من الأخطاء والهنّات، ولكن القرآن يفعل ذلك، إنه يقول لك (القرآن) لا يوجد أخطاء، بل ويعرض عليك أن تتدبره لتتقصى وتجد فيه أخطاء، ولن تجد". لكن المتابع لسيرة دراسة وتناول القرآن الكريم ودارسيه في التاريخ الإسلامي يستغرب من ضعف التناول الأدبي للقرآن الكريم في ملازم الدراسات العربية والإسلامية بشكل عام، واقتصار الأمر على بعض المؤلفات هنا وهناك، فيما ارتكزت كثير من الدراسات الأخيرة على تناول الإعجاز العلمي في القرآن. مهملين إلى حدٍ مؤثر وملحوظ الدراسات البلاغية، والبيان النصي، والبيان الشفهي، والبيان السمعي، ونسق اللغة الشعرية والسردية في القرآن، وحجم المرتبة الفنية للغته. وظهرت الحاجة ملحة لربط النصوص القرآنية بالعلم وتقدم معارفه واتجاهاته، من خلال نظرة أدبية مختلفة عن تلك التي اتبعتها أغلب المؤلفات القديمة. لتنشأ في العصر الحديث عدة مدارس فكرية مثل (مدرسة التفسير الأدبي للقرآن)، بقيادة الشيخ (أمين الخولي) مؤلف كتاب (مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب)، التي تأثرت بفكر الإمام (محمد عبده) وآرائه المضمنة في معظم كتبه، المتأثرة بفكر عبدالقاهر الجرجاني وكتابه (أسرار البلاغة)، كأنموذج بديع لفهم بلاغة النص القرآني. ونادت مدرسة الخولي في عشرينيات القرن الماضي، باعتماد المنهج الأدبي في التفسير الذي يعتمد (التأمل الظرفي، والتحليل النصي، والدراسة الأسلوبية، والنظرة البلاغية)، كأسس لا مفر منه لتقديم وبيان النص القرآني، من زاوية قد تكون الأقرب والأصلح للتواصل مع جوهر لغة القرآن. ويرى (الشيخ الخولي) أن مقصد التفسير الرئيسي للنص القرآني أدبي صرف، غير متأثر بأي اعتبارات خلف ذلك. ورأت المفكرة والأديبة (عائشة عبدالرحمن) أن تفسيرات القرآن ظلت (تقليدية) تدور في إطار المأثور الشعري والنثري التراثي القديم، بقولها: "إن الشيخ الخولي خرج بالتفسير عن ذلك النمط التقليدي، وتناوله نصاً أدبياً على منهج أصله، وتلقاه عنه تلامذته، وأنا منهم". غير أن مدرسة (الخولي) تجنبت الأسلوب الفلسفي. اليوم نرى اندثاراً لمثل هذه المدارس وأطروحاتها الفكرية المستنيرة، ونشهد عودة (خطيرة) إلى تبني الفكر القديم، البعيد عن الدخول إلى أعماق اللغة وفلسفتها، وعودة إلى الأخذ بمدلولاتها السطحية المباشرة. ما يُشكل انحداراً حاداً في طريقة التناول وآليتها، وتنازلاً عن مذهب الارتقاء والتراكم المعرفي الذي يفرضه المنطق ويحتفي به العلم. وهذا يذكرنا بالفترة التاريخية التي فضلت إقصاء (العقل) نهائياً، والتسليم بـ(النقل) كيفما هو، في عملية تدوير بائسة للتاريخ على ما يبدو. فهل عجز المفكر الإسلامي الحديث عن إقناع الشارع بمشروعه الفكري التنويري؟ أم أن الجمهور ليس مستعداً بعد للخروج على نمطية ما تربى عليه من التراث، حتى وإن ثبت قصوره، واصطدم بالعلم، وكثرت شوائبه؟ أم ماذا؟