حتى لا تضيع فكرة المقال الرئيسية في التفاصيل أقول أولاً: إن مخترعاتنا ضائعة، وثانياً لا يوجد لدينا جهة تحول المخترعات إلى منتجات تحقق التوظيف وزيادة الصادرات وتعديل الميزان الاقتصادي.. وإليكم التفاصيل؛ منظمة المخترعين العالمية يطلق عليها WIPO وهو اختصار لاسم المنظمة World Intellectual Property ،Organization أي المنظمة العالمية للحقوق الفكرية.. ويتم في هذه المنظمة تسجيل حقوق المخترعين من الاختراعات Patents التي يمكن تطبيقها أو تحويلها إلى إنتاج..وتقوم هذه المنظمة بنشرإحصائية سنوية تكشف إنتاج العالم بحسب الدولة وتنشر إحصائيات العشر السنوات السابقة بشكل يتم فيه حذف إحصائية سنة قديمة وإضافة إحصائية سنة جديدة.. وقد قامت المنظمة هذا الشهر بنشر إحصائية تتضمن إنتاج العالم من المخترعات من عام 1997م إلى عام 2011م..كان نصيب العالم العربي منها أكثر من 83 ألف اختراع ونصيب المملكة العربية السعودية في هذه الفترة 3544 اختراعا.. والعالم المتقدم بنى تقدمه ووصوله إلى مرتبة العالم الأول بفضل هذه المخترعات التي يحولها بشكل عاجل إلى صناعات وشركات منتجة تحقق ما يأتي:
1-توظيف مزيد من المواطنين في هذه الشركات والمصانع الجديدة.
2-زيادة الصادرات.
3-تعديل الميزان الاقتصادي لتكون نسبة الصادرات أعلى من نسبة الواردات، وهذا مؤشر صادق ودقيق لقوة أي اقتصاد.
وقبل طرح السؤال الكبير نؤكد حقيقة ضياع كل المخترعات وعدم تحويل أي منها إلى شركات ومصانع منتجة رغم مرور أكثر من عقد على بداياتها.. والحقيقة الثانية عدم وجود هيئة أو منظمة أو جهة في أي دولة عربية تحتضن هذه الإنجازات العلمية وتحولها إلى صناعات.. الذي يتحقق خطوتان والمطلوب ثلاث خطوات.. الخطوتان المتحققتان هما تسجيل الاختراع والخطوة الثانية الاحتفاء والاحتفال به.. والخطوة الثالثة الهامة التي لم تتحقق هي تحويله إلى منتج يحقق الأهداف الثلاثة التي ذكرتها آنفاً.. في هذه البلاد الكريمة احتفلنا على مدى سنوات بالكثير من هؤلاء..وسجلوا براءات اختراعات كثيرة.. واحتفت بهم المراكز العلمية في طول الأرض وعرضها من ماليزيا الى أمريكا مروراً بالمراكز العلمية في أوروبا.. وحصلوا من هذه المراكز على اعترافات وجوائز ووصل عدد مخترعاتنا في العشر السنوات الماضية الآلاف، ونسأل هنا سؤالاً كبيراً: أين هذه المخترعات.. ولماذا لا يتم التعامل معها مثل ما يتم التعامل مع مثيلاتها في العالم الأول.. ولماذا لا توجد لدينا هيئة تحول المخترعات إلى منتجات كمثيلاتها؟.. في البلاد المتحضرة والمتقدمة.. لا يمضي شهر من تسجيل براءة الاختراع حتى يتحول ذلك الاختراع إلى شركة تسهم في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية.. والتفصيلات في ذلك كثيرة.. وبما أننا رغم ما كتبناه هنا من مرات لم نجد الرد أو التجاوب فسأحاول الاجتهاد لتحديد المشكلة.. فالمشكلة أن المخترع عندما يريد استثمار اختراعه وتحويله إلى شركة منتجة عليه أن يتعامل مع عدة وزارات بما في تلك الوزارات من بيروقراطية، ومنها وزارة المالية للحصول على المال ووزارة التجارة لتحديد مواصفات المنتج ووزارة البلديات للحصول على الأرض. وتوضع العراقيل تلو العراقيل أو على أقل تقدير تطول الإجراءات ويضيق نفس أصحاب الطلبات.. مع العلم أنه من المفروض ألا تكون مسؤولية تحويل المخترعات إلى بضائع مسؤولية المخترع، فليس هذا دوره. وقد اقترحت أن تنشأ "هيئة المخترعين" تحتضن هؤلاء المبدعين.
عدونا الأول هو الوقت. ونحن لم نر جهةً محددة ترعى هؤلاء الشباب المتفوقين الذين سجلوا براءات اختراع عديدة على مستوى الوطن لتحويل تلك الاختراعات إلى شركات منتجة. نقدر لتلك الجهات التي رعت تلك المواهب حتى أوصلتها إلى هذا المستوى، لكن ليس من مهام تلك الجهات إكمال المسيرة. ولهذا قد يكون من المناسب جداً تأسيس هيئة ذات شخصية اعتبارية مستقلة بكوادرها وميزانياتها لتحويل اختراعات مواطنينا إلى شركات منتجة حتى لا ننزلق في نمطية الروتين وسرد مبررات غياب الدعم والتمويل أو أي مبررات أخرى تضع مثل هذه الإنجازات على الرفوف تكوِّم الغبار.. ونحن لا نريد ذلك.. نريد هيئة مستقلة تعد خططاً وسياسات تتجاوزالروتين وتتجاوز التبريرات لنرى مصانع قد قامت وشركات قد أسست لنجني ثمار هذه الاختراعات في وقت قياسي لتتحول هذه الابتكارات إلى صناعات تحول بلادنا إلى دولة متعددة مصادر الدخل غير القابلة للنضوب، واقتصاد المعرفة غير القابل للنضوب.
والخطوات المتحققة في وصول موهوبينا إلى هذه النتائج الباهرة هي خطوات على الطريق الصحيح... وأرى أنه من الضرورة تأسيس هيئة للمخترعين تركز فقط على هذه المهمة. مساعدة المخترعين على تأسيس شركات ومصانع ينعكس أثرها إيجابياً على مشكلة البطالة بشكل خاص وعلى اقتصاد الوطن بشكل عام. إنها تحقق لنا اقتصاد المعرفة، هذا الهدف الذي أصبح سمة بارزة من سمات عصرنا الحاضر. ومن غير المناسب ألا تعيش بلادنا اقتصاد المعرفة في عصر اقتصاد المعرفة.
وخلاصة القول، في كل عام تنشر لنا منظمة المخترعين العالمية WIPO أعداداً جديدة من المخترعات في بلادنا وفي العالم العربي.. وهدف هذه المخترعات لا يقتصر على تسجيلها والاحتفاء بها.. هاتان خطوتان مهمتان لكنهما غير كافيتين.. بل لا بد من الخطوة الثالثة التي تتمثل قي تحويل تلك المخترعات إلى منتجات تعزز اقتصاد بلادنا وتوظف عاطلينا.. لماذا نحن متأخرون في تحقيق هذه الخوة؟ لماذا لا يوجد لدينا هيئة ترعى هذه الاختراعات وتحولها إلى منتجات؟ العالم الأول وصل إلى هذه المرتبة بفضل جهود المميزين فيه، وبالتحديد أصحاب المخترعات.. هذه الإنجازات النوعية يجب ألا يقف ابتهاجنا عند سماعها والاحتفاء بها. الاحتفاء شيء جميل ومن حقنا وحق الذين حققوا هذه الإنجازات أن نحتفي بهم وأن يحتفي بهم الوطن ويفخر.. لكن الاحتفاء وحده لا يحقق الأهداف التي من أجلها كانت هذه المختراعات .. من المهم جداً، بل من أقصى الضرورات تأسيس هيئة للمخترعين لتحويل مخترعاتهم إلى شركات توظف مواطنين وتصدر بضائع وتحقق بدائل دخل وتدعم وضعنا الاقتصادي وتضعنا في مصاف العالم الأول. إن تأخرنا لا يخدم بلادنا.. نحن نعرف أن 93% من دخلنا يقف وراءه مصدر واحد.. وهذا أمر خطير جداً.. ومن مبادئ الاقتصاد نعرف أن تنويع الدخل مطلب أساسي.. وفي تأسيس هيئة للمخترعين هدفها فقط تحويل المخترعات إلى منتجات، مطلب أساسي فيه تنويع للدخل لتنوع المخترعات وتنوع المنتجات التي سيتم تصديرها من بلادنا.. أرجو أن يجد هذا المطلب أذنا واعية صاغية.