من حوالي أسبوع، حدثت مجزرة في أحد مساجد الشيعة في كويتا، باكستان، أدت لمقتل أكثر من 100 شخص. هذه المجزرة تعكس الانقسام الطائفي العميق بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعية في باكستان، والذي أدى لأحداث عنف متصاعدة في المنطقة. وتعتبر باكستان مرتعا لبعض الجماعات الإرهابية المسلحة، خاصة طالبان والقاعدة، والتي تتمتع بدعم غير رسمي، وشبه رسمي أحيانا، من خارج الحكومة وداخلها.
الفوضى في باكستان يمكن أن تزيد من حدة التوتر في الجارة أفغانستان، والتي بالكاد بدأت تتعافى من رماد التطرف والإرهاب ومن حكم طالبان، وتحتاج إلى فترة لا بأس بها لبناء نظام مستدام. بعد 11 عام من الحرب الغربية على الإرهاب في أفغانستان، والتي قادتها الولايات المتحدة، يقول الرئيس الأميركي، إن المهمة اكتملت، وليس هناك سبب لبقاء القوات الأميركية في أفغانستان لمتابعة الحرب مع طالبان. انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان يفترض أن يكتمل بحلول عام 2014، وسيبقى في البلد بين 3-9 سنوات بحسب الاتفاقية الأمنية بين البلدين، التي لم توقع بعد.
الرئيس باراك أوباما، أعلن أن مهمة القوات الأميركية في أفغانستان اكتملت، وأن تنظيم القاعدة لم يعد يشكل خطرا على الأمن القومي الأميركي، وأن القوات الأفغانية الرسمية قوية بما فيه الكفاية للدفاع عن بلدها. وخلال مؤتمر صحفي عقده الرئيسان الأميركي والأفغاني خلال زيارة قرضاي لواشنطن مؤخرا، قال الرئيس أوباما، إن القوات الأميركية ستبدأ بتسليم المهام الأمنية إلى القوات الأفغانية اعتبارا من الربيع القادم، وبحلول 2014 ستكون باقي القوات الأميركية قد غادرت.
الإعلان عن تسليم المهام الأمنية للقوات الأفغانية بحلول فصل الربيع القادم، أثار تساؤلات بين الشعب الأفغاني. الأفغان قلقون وليسوا متأكدين فيما إذا كانت القوات الأفغانية قوية بما فيه الكفاية للدفاع عن البلد ضد تهديد خطير، وهو تهديد حركة طالبان. مقاتلو طالبان المدعومين من باكستان، يفترض أنهم يقاتلون ضد قوات الاحتلال الأجنبي، ولن يكون لديهم سبب لمتابعة القتال بعد انسحاب القوات الأميركية والحليفة من المدن والبلدات الأفغانية بحلول هذا الربيع. وبهذا يتوجب على طالبان أن يشاركوا في عملية السلام والمصالحة الوطنية.
حركة طالبان رفضت بشكل متكرر الجلوس إلى طاولات المفاوضات، ومن غير الواقعي الاعتقاد أن طالبان ستلقي بسلاحها وتنضم إلى الانتقال السلمي. ومع ذلك فإن الأميركيين لا يستطيعون البقاء في أفغانستان، وإنفاق مليارات الدولارات كل عام؛ لأن الحكومة الأفغانية الفاسدة فشلت في تشكيل قوات أمنية كافية. الرئيس الأفغاني ألقى مؤخرا باللوم على الولايات المتحدة والدول المانحة، واتهمها بأنها سبب فساد الحكومة الأفغانية، وأنها توزع الأموال بشكل غير عادل. يلوم منذ فترة الآخرين بالتسبب بفساد حكومته، ويطلب من الولايات المتحدة أن ترسل الأموال مباشرة إلى الحكومة الأفغانية، وهي تتولى إنفاقها بدلا من توزيعها بشكل مباشر على المشاريع.
الرئيس قرضاي، الذي أثار فوزه في الفترة الرئاسية الثانية الكثير من الجدل حول نزاهة الانتخابات، اتخذ موقفا معاديا لأميركا منذ ذلك الحين، بسبب انتقاد الرئيس أوباما للطريقة التي تمت بها الانتخابات. جميع مبادرات قرضاي لمحادثات سلام مع طالبان لم ينج عنها أي شيء، واستمر سقوط القتلى بين الجنود الأميركيين والقادة الأفغان، الذين تعرضوا للاغتيال واحدا بعد الآخرعلى يد طالبان. قادة حركة طالبان يعدون أنفسهم لمرحلة ما بعد رحيل القوات الأميركية والرئيس كرزاي يساعدهم بشكل أو بآخر على ذلك.
حتى الاتفاق بين الرئيسين الأميركي والأفغاني حول فتح مكتب لحركة طالبان في قطر هو اتفاق مشروط. قال لي مصدر رافق الرئيس قرضاي في رحلته إلى الولايات المتحدة مؤخرا، إن الرئيس أوباما اشترط أن تعترف طالبان بالدستور، وتوافق على التخلي عن السلاح. ولكن هل توافق طالبان على هذا الشرط، أم أنها سترى في رحيل القوات الأميركية فرصة لإعادة الاستيلاء على السلطة؟
قرضاي كانت لديه قائمة لشراء الكثير من المعدات العسكرية لدى زيارته لأميركا، لكن الرئيس أوباما رفض تلبية مطالب قرضاي؛ لأن أفغانستان لا تملك موارد كافية لتغطي ثمن هذه الصفقة الكبيرة والمكلفة؛ ولأنه لا يوجد ضمان بأن حركة طالبان لن تستولي على هذه المعدات بعد فترة. السلطات الأميركية وافقت فقط على بيع كميات من البنادق الآلية والمعدات الدفاعية الخفيفة لأفغنستان. الرئيس الأميركي رفض أيضا طلب قرضاي بأن تدعم أميركا المرشح الذي يدعمه، وقال له: إن أميركا تدعم انتخابات حرة ونزيهة في أفغانستان.
قرضاي عاد إلى أفغانستان منزعجا وخالي الوفاض. الاتفاقية الأمنية لم توقع بعد، والرئيس أوباما قد يغير رأيه ويقرر ألا يترك أي جندي أميركي في أفغانستان، إذا لم يتم توقيع هذه الاتفاقية الأمنية في كابول.
تصاعد الصراع الطائفي في باكستان ربما يجر إليه أفغانستان أيضا، ويؤدي إلى التهاب الخطاب الطائفي في المنطقة. أفغانستان لا تعاني فقط من المخاطر التي تشكلها حركة طالبان، لكنها أيضا تواجه احتمالات قوية بنشوب صراعات طائفية داخلية.
هناك طريق طويل يجب أن تقطعه أفغانستان للوصول إلى الاستقرار والسلام. يعتقد المراقبون أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها طالما أن الإرهابيين لديهم قواعد في باكستان، وما يزال بإمكان عناصر طالبان عبور الحدود بين البلدين بحرية تامة. ربما من الأفضل أن تركز السياسة الأميركية الجديدة على باكستان أكثر من أفغانستان؛ لأن إصلاح المشكلة في باكستان له أولوية أكثر بالنسبة للأمن والسلام العالميين.