يفصل كثير من المثقفين بين المؤدّى التربوي والفعل الثقافي، بزعم أن الأول نمط مؤسس على نظريات علمية ومنهجيات ممارسة تفضي إلى تهيئة الإنسان وجعله على الحد الأدنى من السلوكات الموجبة التي تعمل على إيجاد مجتمع حضاري تتوفر فيه قيم المدنية والبحث عن الترقي والنماء، حيث تصمم أنشطة التربوي لتخدم الاجتماعي بكل فئاته وتشكلاته، وهذا يحقق - إن هو قام على أسس ثابتة - معادلا موضوعيا بين واقع المجتمع وبين مستقبله.

فيما يذهب الثقافي إلى اجتراح الواقع وإخضاعه إلى الدرس دون مواربة أو حجب، فيأخذ في اعتباره بدءا مكانته بوصفه معيارا مستقلا وخارجا عن النمط، ثم بكونه قادرا على إعادة تشكيل الصورة أو قل تخييلها للمتلقي وفق ما يرومه ويستهدفه، فتجد على سبيل المثال كتابا فكريا يفند ما جاء به التربوي ويحيله إلى المناقشة والمحاججة وطرق السبل المحتملة في عدم رسوخ المنتج التربوي قاعدة كان أم مسلكا أم نظاما. وتجد في مثال آخر روائيا يعيد تمظهرات مجتمعه إلى شكل مغاير لا يتفق ووقار التربوي أو منهجه الذي يسير عليه ويحكم على الأمور من خلاله.

التربوي والثقافي ليسا طرفي نقيض، بل هما توأمان فلسفيان ينبغي أن يعملا جنبا إلى جنب، ويشيدا معمار المجتمع كتفا إلى كتف، لكنهما مثل كثير من التوائم يتفقان في الشكل ويختلفان كل الاختلاف في طرائق التفكير ومسالك الفعل ومن ثمّ في محصلة النتائج، الجميل في حضورهما أن يندمجا في جسم واحد، بحيث يفكر الثقافي ونصب عينه التربوي، أو أن يعمل التربوي ويمنهج ويصمم برامجه دون أن يدحض حضور شقيقه الثقافي وأهميته.

الأمر ببساطة ورد إلى ذهني بعد أن أنعمت النظر في مشهدنا الثقافي والإبداعي الذي يمثل التربويون والأكاديميون نسبة عليا منه، ودققت التركيز في المشهد الصباحي المعتاد في مدرسة ما لمعلم روائي أقام الدنيا ولم يقعدها برواية لم ترعوِ عن شيء في رصد زوايا الظلمة والدنو، وهو في الوقت نفسه التربوي الأثير لدى طلابه.. يرسخ المبادئ السامية ويحدوهم إلى غض الطرف عن سفاسف الأمور، ويردعهم عن منزلقات اللفظ ونزق السلوك. صحيح أن الإبداع شرطه الحرية المنضبطة لكنه، وإن ذهب بعيدا، عليه أن يوجد ما يبرر انزياحه عن التربوي وخوضه في الثقافي من أجل هدف مشترك يسعد به التوأمان ويستثمره من يمتاح من معينهما.