كثيرا ما يحصل نزاع بين شركات التأمين والمستفيدين، مما يضطر البعض للذهاب إلى لجنة الفصل في منازعات التأمين، وهي لجنة شبه قضائية يقوم بعملها مجموعة من ذوي الكفاءة والتأهيل العالي، إلا أنه بعد صدور الحكم فإنه لا يأخذ صفته النهائية ولا يُفيد في شيء إلا في حال موافقة الخصمين على الحكم التي نادرا ما تحصل إلا بالصلح الظالم!

هذه اللجنة المؤسسة بناء على المادة العشرين من نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني لجنة ابتدائية، ونصّ النظام على أن التظلّم (الاستئناف) يكون عن طريق ديوان المظالم، ثم عدّل بأمر ملكي بعدم اختصاص الديوان بذلك على أنه سوف يصدر أمر جديد بتشكيل لجنة استئنافية وأعضاء لها (بناء على اقتراح وزارة المالية) منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، إلا أنه وللأسف لم يصدر شيء حتى الآن! وبقيت قضايا الناس معلقة بلا استئناف؛ مما قد يجعل شركات التأمين تماطل في أي قضية لعلمها بعدم مقدرة المستفيدين على الحصول على أحكام نهائية! ولك أن تتخيل حجم المعاناة للناس بسبب عدم الفصل في قضاياهم! وقد تحصل مطالبات بمئات الملايين وتبقى معلّقة! وهذا يعد فراغا قضائيا كبيرا ربما لا يحصل إلا في مرحلة الحروب في الدول وما شابه!

إذاً نتساءل عن سبب كون هذه اللجان خارج أجهزة القضاء، وهي لجان متفرقة ومتفاوتة في أدائها وكفاءتها ومختلفة في آلياتها وأنظمتها الإجرائية؟

للعلم؛ فإنه يوجد في البلد ما يزيد عن مائة لجنة شبه قضائية موزعة بين الجهات الحكومية! ومنها ما يشبه محكمة في الحقيقة، مثل لجنة المنازعات المصرفية ولجنة فض منازعات الأوراق المالية وغيرهما، ومنها ما لا يمكن تسميتها إلا بسكرتارية أو قسم لحل المشاكل!

هذا التفاوت الكبير بينها سببه أن كل لجنة من تلك اللجان تخضع لنظام (إن وجد) وآلية تخصها ولا يجمعها نظام أو جهاز ينظمها، مما يضعف عملها ومراقبتها والإشراف عليها! فضلا عن مشكلات الاستقلالية وضمان سلامة تحقيق العدالة فيها، فهذه اللجان ترجع إداريا للجهة الحكومية التابعة لها، وإن كان الأعضاء يعينون في بعضها بقرار من مجلس الوزراء، إلا أنه يبقى أن جميع كوادرها الآخرين يتبعون الجهة الإدارية التي تشرف على تلك اللجنة، وإذا كان هناك اختصاص إداري للجنة فإن تلك الجهة الإدارية يتحقق فيها الخصم والحكم في نفس الوقت!

أعود للجواب على التساؤل أعلاه عن سبب وجود هذه اللجان المتعددة خارج إطار الأجهزة القضائية لدينا؟

أعتقد والله أعلم أن السبب الجوهري هو عدم توصل وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء (كل فيما يخصه) إلى تطوير آلية يمكن من خلالها الوصول إلى استقرار الأحكام القضائية، خصوصا عندما نتحدث عن اللجنة المصرفية أو الأوراق المالية أو قضايا التأمين، حيث كل هذه القطاعات لديها حساسية كبيرة ولا بد من استقرار ووضوح القضاء الخاص بها. ولا أتوقع أنهم سيصلون إلى آلية يمكن الوثوق بها إلا من خلال التقنين والإلزام بالسوابق القضائية، الأمر الذي لا يطبق في القضاء لدينا للأسف! ولكن أعتقد أنه ربما يكون الحل الأنجع بإنشاء جهاز قضائي مستقل وجديد يليق بمستوى الدولة وتطلعات الملك عبدالله حفظه الله لتطوير القضاء، ويجمع هذا الجهاز أهم تلك اللجان التي يمكن جمعها تحت مسمى واحد مثل المحكمة المالية (وهو مسمى استخدمته الكويت مؤخرا).

أعود إلى موضوع اللجان، حيث من أهم مشكلاتها توزّعها وعدم وجود جهاز إشرافي يجمعها ويضعها تحت مسمى قضائي حقيقي، وهذا يفقدها الكثير من الميزات. كما لا يوجد لديها جهة موحّدة ترعى احتياجاتها وتساهم في حل مشاكلها (توجد أمانات في بعضها إلا أنها لا تملك القدرة المطلوبة)، ونتج عن هذا عدم وجود سياسة أو آلية موحدة في اللجان فيما يتعلق بالأنظمة الشكلية والإجرائية (بشكل عام)، كما هو الحال في القضاء العام والإداري، بل بعضها يعمل بدون أن يكون لديها قواعد موضوعية حتى، كما يظهر هذا بوضوح في لجنة الفصل في منازعات التأمين! بالإضافة إلى أنها لا يوجد لديها أجهزة إشرافية منظمة وفعالة للرقابة والتفتيش القضائي مثلا (بتفاوت بينها)، كما أن من يقومون بالفصل لا يتمتعون بمميزات القاضي ولا حصانته، بالرغم من أنهم قد يفصلون في قضايا كبيرة جدا، وبعض هذه اللجان (خاصة الصغيرة) قد يُعين فيها أشخاص لا يمتلكون الكفاءة الكافية للعمل القضائي في ظل عدم وجود أنظمة أو لوائح تحدد شروط أولئك المستشارين "قضاة في الحقيقة"!

منذ فترة طويلة نسمع أن برنامج تطوير القضاء التابع لوزارة العدل يعمل على إيجاد حل عاجل للمشكلة، ونأمل أن يصل للحل وإشراك المختصين والتواصل مع الجهات الأخرى والسماع لاحتياجاتها؟ هذا ما سيكشفه المستقبل.