أؤمن أن على الإنسان أن يتمدد خارج دائرته وإلا تحول إلى مجرد " تاق" في صفحة منسية أو قناع "فانديتا" بلا هوية.

الحقيقة أن شبكات التواصل الاجتماعي أتاحت للجميع متسعا من الحرية لم يسبق أن شهده عصر سابق، خاصة في مجتمعاتنا العربية لما نعاني من رقابة دقيقة على الأفكار والتوجهات، ولهذا "الإنترنت " أصبح عالماً يموج بكافة الاتجاهات والمجالات، و"كل في فلك يسبحون"؛ بمعنى أن هناك حرية أن تتجه وتبحر بفلكك في هذا البحر الواسع، والعوم في بحار عديدة في هذا الكون التقني.

إننا نعيش اليوم في حيز مكاني وزماني مختلف، إننا ببساطة نتنفس ولهذا نكتب من خلال العالم الافتراضي دون أية حواجز، حيث نستطيع أن نجدف في أي اتجاه، بوصلة العالم كله في أيدينا، وهذا أول دروس الحرية في الكتابة عبر الإنترنت، فليس هناك من يهمش أو يمنع الأفكار أو يضعها على حائط خشبي يختاره وفق توجهه، إنها كتابة على حائط ضوئي أشبه بسماوات كونية نكتب فيها أحلامنا وذواتنا ونخلق وعياً يشبهنا، بل إننا نمارس فيها ومن خلالها فرحنا وتهويماتنا ونتنقل بين ذواتنا الطفولية وعقلنا الواعي دون أي ارتباك.

يظل السؤال هنا ملحاً: كيف يجب أن نتعاطى مع شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر والتي أصبحت فعلياً قناة العصر الجديد؛ من خلالها يحدث التأثير والتأثر، فهي لغة تقنية جديدة يقدم عليها الإنسان المعاصر بكل إرادته، لأنها تحقق له استقلالية الذات، حيث يصنع هناك عوالمه الافتراضية الخاصة ويخلق مجتمعا وفكرا يشكله هو عبر شبكة تواصل هو من يؤسسها وليست تؤسس له كما هو الحال في تويتر وفيسبوك، حيث الكل يستطيع صنع كون صغير يكون هو سيده بلا منازع؟

إن الهدف من التسجيل في شبكات التواصل الاجتماعي هو بالدرجة الأولى التعرف على العالم الافتراضي الذي انتقل له البشر في هيئة جموع غفيرة، وهو ما يحرضنا على الفضول والذهاب إلى حيث هناك لمعرفة أي عالم يزحف إليه هؤلاء الزاحفون من البشر على اختلاف معارفهم وثقافاتهم وأجناسهم وأعمارهم. هناك حيث يجد المرء أنه أصبح جزءا من منظومة كونية افتراضية من خليط من البشر والمعارف والخير والشر.

ليست هناك مفاجأة بعد أن علم الجميع أن الخوف والرقابة بدأت تصغر كثيرا في داخلنا بعد أن أصبح الوعي كافيا إلى حد لم يعد مستغربا أن تجد أشخاصا يطرحون كل ما يفزعهم ويربكهم من قلق وجودي، أو سياسي، وفكري.. ببساطة، تلك الشبكات الإلكترونية حررت العقل والفكر لمن أراد أن يخرج من عنق الزجاجة، مثلما عززت أيضا الكثير من الشر والأقنعة المزيفة.

يظل المتاح الافتراضي مكانا شديد الخطورة، لأنه كما يوجد فيه النور والصالحون الأسوياء توجد فيه الظلمة وأصحاب الأقنعة. وحسب الأقنعة هنا أنها ليست فقط مجرد الأسماء التي يتحركون من خلالها، ولكن في الأقنعة الفكرية المبطنة والنوايا المؤدلجة التي هي شعارهم. هؤلاء يملؤون فضاءنا الإلكتروني بما يشبه وجوه أقنعة "فنديتا" (Vendetta).. الذين يجيدون القفز على الحواجز ويمتهنون الشر علنا وسرا، تويترهم "حصان طروادة" وقناع "فانديتا" خير ما يمثل هؤلاء. وتكمن خطورة الأقنعة والمقنعين في شبكات التواصل الاجتماعي في أنها تعبر فعليا عن المعنى الخفي للقناع / "فانديتا" الذي يعني باللغة اللاتينية "الانتقام" ويرمز القناع إلى أن الشخص الذي يرتديه يتقمص الشخصية السينمائية لـ "فانديتا"، والذي يرمز لهدم كل أشكال السلطة ورموزها كما في شخصيته المقنعة.

إنها العوالم الافتراضية التي يمكن أن يرتدي الآخرون فيها الأقنعة والأفكار والطرق الملونة والمظلمة. إنه عالم اختياري وعلينا أن نختار الأفضل، والأفضل أن نكون مثل الزهور والأشجار والماء.. تظهر بوضوح في شمس النهار، أما ما يظهر في الظلام فيمكن أن نسميه أي شيء آخر غير هذا. ويظهر إنذار الخطورة هنا أن هؤلاء الـ"فنديتا" هم من يحرضون ويوقعون بالأسوياء الذين يكتبون بشخصياتهم الحقيقية تحت ضوء الشمس.

يختلف مفهوم التغيير من حالة إلى أخرى حسب المجتمع وحسب الحاجة إلى التغيير. على مستوى المجتمع العربي؛ نعم أسهمت الشبكات الإلكترونية في التغيير بشكل متفاوت ولها دور كبير ومؤثر، ولكنه مازال دورا كامنا؛ بمعنى أن هناك مجتمعات افتراضية خلقت داخل المجتمعات البشرية وأصبحت هذه المجتمعات الافتراضية قادرة على تحريك الجموع الأخرى نظرا لأنها تشكل قوة الوعي الجمعي، وعلى هذا النحو يحدث التغيير، إذ القلة الواعية هي من تحرك الكثرة الخاملة، وينطبق هذا على كافة الجوانب في حياة البشرية.

إن فكرة الحضور عبر فضاء مفتوح وحر هناك حيث الكتابة بكل عفوية بإمكان أي كان ممن يجيد الأبجدية أن يشاكس، يفرح، يحزن، ويشارك الآخرين التعايش مع نهر التواصل المتدفق، أما من يظل متفرجا وحسب فلن يشعر بطعم ماء ذلك النهر ولن يعرف معنى أن يكون وسط عالم لا يمكنه أن يختار فيه أعداءه أو أصدقاءه بشكل مطلق.

نحن على محك حقيقي سوف يشكل فارقا حضاريا وإنسانيا واجتماعيا غير مسبوق، فما هو مرفوض على أرض الواقع مقبول ومرحب به في العالم الإلكتروني عبر الشبكات. المتغير حدث لنا بشكل كبير، وربما دفعة واحدة، ولهذا هناك اضطراب في السيطرة على عالم افتراضي ليست له قوانين.. عالم واسع ومفتوح ليلاً ونهارا.. مكتظ بالبشر، لا شيء يمنع ظهورهم وتحركهم إلا بمقدار ما يحملونه من قيم وضمير أخلاقي حقيقي. ما الذي يمكن أن نتوقعه من عالم فتح على أقصاه وقال لنا "هيت لكم"...ودلفنا إليه أفرادا وجماعات؟ بالتأكيد مستقبل شبكات التواصل الاجتماعي هو مستقبل مرعب ومشرق في الوقت نفسه، مرعب لأننا ـ حتما ـ سنجد أننا أمام انفصام حقيقي بين ما نحن عليه وما توفره لنا شبكات التواصل الاجتماعي. وسنعاني صراعا حادا حتى ننتقل إلى أحد العالمين؛ إما هذا العالم الافتراضي الكوني التقني أو العالم المادي المحسوس بين جدران وشوارع وأبواب. ومشرق لأنه يفتح لنا بابا وراء باب وكأننا ندلف إلى المتاهة التي لا نعلم إلى أي ثقب كوني ستؤدي بنا. إنه الواقع الذي نعيشه وعلى كل منا أن يصنع فُلكه لينجو أو ليبقى على حاله ليغرق. التوجهات والمعتقدات والفكر مفاهيم تخلق معيار الوجود الإلكتروني، وقد أضافت لنا هذه التجربة معنى مختلفا للحياة المختلفة. ونحن محظوظون لأننا نعيش هذا العالم الجديد الذي نديره نحن كيفما نشاء. ما أكثر حظنا قياسا بالجيل السابق، وما أسوأ حظنا، لأننا نحارب ونواجه "فانديتا" مجهولين في فضاء الحرية الإلكترونية، وهذا أهم دروس الحرية هنا، إذ عليك أن تكون محاربا وإلا مت.