الوظيفة الثانية للجامعات تتمثل في البحث العلمي الذي يركز على الأبحاث العلمية التي تتصف بالجدة، والأصالة، والإبداع، وتعد نتائجها إضافات حقيقية للمجالات العلمية المختلفة، والتوقعات من الجامعات ممثلة بعمادات البحث العلمي، وبمعاهدها البحثية، وبمراكز أبحاثها العلمية المختلفة عالية جدا، وينظر لها على أنها بيوت خبرة في مجال التخطيط، والتنفيذ للأبحاث العلمية؛ حيث إن مقومات البحث العلمي البشرية، والمادية متوافرة في هذه المؤسسات، ومع ذلك فإن البحث العلمي لا يزال من الوظائف التي لم تعمل الجامعات على تحقيق أهدافه بدرجة كبيرة، وما يتم فعليا في هذا المجال هو إجراء بعض البحوث الفردية والهدف النهائي منها الترقية الأكاديمية لأعضاء هيئة التدريس، وهذا توجه لا بأس به، ولكن الهدف من كل الدعم والتشجيع للبحث العلمي يجب أن يتعدى البحوث الفردية الموجهة لأغراض شخصية مثل الترقيات، ولا بد أن يكون لدينا مشروعات وطنية مدعومة من جهات خارج مؤسسات التعليم العالي تخدم كافة الجوانب التي هي بحاجة للبحث والتقصي، وهنا يبرز دور الأكاديميين والباحثين في الجامعات في إقناع الشركات والمؤسسات بتقديم دعم مادي للبحوث، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم مقترحات بحثية تخدم الباحث، والمجتمع، والمؤسسات، والشركات الداعمة ويتم دعمها وفق عقد بين الباحثين، والجهات الداعمة.

ويمكن الاستفادة من طلاب الدراسات العليا في مجال البحث العلمي، لأنهم "وقود البحث العلمي" من خلال توجيه أبحاثهم لدراسة موضوعات جديرة بالدراسة، والإشراف المباشر عليها ومتابعتها بشكل مستمر من قبل أعضاء هيئة التدريس، وهذا يتطلب الاختيار الأمثل لموضوعات رسائل هؤلاء الطلاب، ومن ثم استكمال الإجراءات الأخرى والمتابعة الدقيقة بما يضمن إسهام نتائج الأبحاث في حل مشكلات قائمة، أو اقتراح وإيجاد حلول لمشكلات متوقعة، ومن الضروري البعد عن الموضوعات الهامشية، أو المكررة التي سبق بحثها، وهنا أرى أهمية الاستفادة من خبرات من سبقنا في مجال الدراسات العليا فيما يتعلق بالبحث العلمي؛ حيث إن كثيرا من طلاب الدراسات العليا المبتعثين في الجامعات الأوروبية، والأمريكية أنجزوا، وأبدعوا في مجال البحث العلمي، ويمكن الاستفادة من خبراتهم البحثية من خلال عقد ندوة، أو لقاء، أو مؤتمر تخصص محاوره للبحث العلمي، وتشجيع برامج الدراسات العليا، والمراكز والمعاهد البحثية على التميز في هذا المجال، ويمكن أن يكون هناك جوائز سنوية على مستوى كل كلية، وعمادة، وجامعة، ومن ثم تكون هناك جائزة وطنية للبحث العلمي.

الجانب الذي لم يستثمر في مجال البحث العلمي هو الجانب الصناعي؛ ذلك أن الشركات، والمؤسسات الصناعية المنتشرة في كافة أرجاء المملكة لم تتم الاستفادة منها بالشكل المطلوب في مجال دعم البحث العلمي، عدا بعض المحاولات مع شركة أرامكو السعودية، وشركة سابك، وهنا أعتقد أن مؤسسات التعليم العالي مسؤولة عن التواصل مع القطاع الصناعي وعمل عقود شراكة في مجال البحث العلمي بما يخدم هذه القطاعات، وبما يعود على مؤسسات التعليم العالي، والمجتمع بالنفع والفائدة؛ فنحن لا تنقصنا العقول المفكرة، ولا ينقصنا إلا دعم القطاع الخاص الذي من خلاله يمكن أن نحقق الكثير في مجال البحث العلمي، مع أن الجامعات تدعم البحث العلمي وتخصص له جزءا من ميزانياتها، ولكنه لا يكفي، ولا يصل إلى المستوى الذي يتطلبه تنفيذ الأبحاث العلمية الجديدة، والجادة، لأن البحث العلمي مكلف، وليس كما يتوقعه البعض.

وفي ظل انتشار العديد من الجامعات في مختلف مناطق ومحافظات المملكة أرى أن تعمل هذه المؤسسات مع بعضها، ويكون هناك تعاون بينها في تنفيذ الأبحاث، وتبادل في الخبرات في مجال البحث العلمي، وأن يكون هناك مشروعات بحثية مشتركة، وهذا يتطلب أن يكون هناك خريطة أبحاث وطنية يتم تنفيذها وفق جدول زمني بناء على التنسيق بين الباحثين في هذه المؤسسات، وفي الوضع الحالي لا يمكن العتب على المراكز، والمعاهد البحثية بالجامعات لعدم تنفيذ أبحاث لها سمعتها العالمية، ونشرها في أوعية نشر متميزة، ويكون لها مردود إيجابي على اقتصاد المجتمع، والصناعة الوطنية، وكافة الجوانب المجتمعية؛ لأن هذه المراكز والمعاهد لم تدعم ماديا بما تحتاجه، وغرقت في الأعمال الروتينية، وإنجاز بعض الدراسات النظرية بين الحين والآخر، وهنا لا بد من دعم هذه المعاهد والمراكز بشريا، وماديا ومن ثم محاسبتها في حالة التقصير، لأنها بيوت الخبرة في الجامعات السعودية في مجال البحث العلمي.