ربما تزوج آباؤنا وأجدادنا بـ"نساء" وهن ما زلن في أعمار صغيرة جدا, ولكن يا ترى كيف كان حال هؤلاء قبل أن يشهد العالم تغيرا في نمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية أيضا؟!

الحديث عن قضية زواج القاصرات أخذ أبعادا مختلفة, وركض المؤيدون والرافضون لمشروع قرار جديد يحدد سن الزواج بالنسبة للفتيات للبحث عما يعينهم على محاربة خصومهم, ولم أجد تقريرا إعلاميا واحدا من شأنه أن يستطلع آراء المعنيات بالقضية أو أولياء أمورهن. لماذا ننسى لب القضية وهن الفتيات اللاتي سيتزوجن؟

هنا تأتي قضية السلطوية القاسية التي يفرضها بعض أولياء الأمور على ما اؤتمنوا عليه, فبعضهم يزوج ابنته التي لا تتعدى العشر سنوات دون إذنها أو حتى علمها بالأمر, والبعض الآخر يعضل كريمته بحجة أنه لا بد لها أن تتزوج من نفس القبيلة, أو أن يكون طامعا في مرتبها!

طبيعي أن نكون ضد تزويج الفتاة وهي في سن لا يؤهلها لأن تكون ربة بيت, وليس معنى ذلك أني أهتم لكون هذا الزواج مشروعا, ولكن ماذا ستفعل وزارة العدل عندما تتضرر تلك الطفلة الصغيرة من هذا الزواج, وماذا سيفعل مؤيد لزواج القاصرات همه الوحيد أن يظهر على شاشات التلفزيون ليقول إن هذا الزواج جائز.. ماذا سيفعلون لينقذوا حياة إنسانة, أوشكت أو توشك على الموت نتيجة هذا النوع من الزيجات؟!

القضية تحتاج إلى إعادة نظر, تحتاج إلى توعية بخطورة مثل هذه الزيجات, وليس نجاح زواج طفلة من رجل يكبرها في السن بعشرات السنين كفيلا بإقناعنا أن نسلم بصحة الدعوات لهذا الزواج.

الظروف الحياتية اليوم تغيرت, ومن النادر أن تجد أبا يجبر صبيا صغيرا على الزواج وهو لا يعلم ما هي مسؤوليته كزوج, ولكنك ستجد آباء آخرين يجبرون بناتهم القصر على الزواج بحجة عرف غريب يتمثل في تزويج الفتاة للتخلص منها ومن همها!

كم من القصص التي نشرتها الصحف وتحدثت عن فتيات في السابعة والعاشرة تزوجن من رجال على وشك دخول عتبة القبور؟ وكم من فتاة زوجت دون علمها, أو حتى دون أن تعلم ما هو الزواج؟

ثمة أشخاص يحاولون التصدي لمشروع تقنين زواج القاصرات بإثارة الجدل وتصدير التهم لمؤيديه بمخالفة الشريعة. جميل, ولكن أين هم من قاض يرفض نزع الولاية عن أب عضل بناته بسبب حجج واهية؟ أليس العضل أيضا مدعاة لانتشار الأخطاء الأخلاقية؟ غريب أمرنا!