في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن المناهج الدراسية في مختلف مراحل التعليم في المملكة، ومدى علاقتها بالمتغيرات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع، يؤكد أحد أبرز الأكاديميين السعوديين المختصين باللغة العربية والأدب العربي، أن الجامعات في المملكة وفي أي مكان في العالم -حسب رأيه- لا يمكن أن تقود ولا أن توجه دفة الحركة الأدبية أو النقدية. ويبرر أستاذ اللغويات بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور محمد ربيع الغامدي رأيه هذا بالقول" الجامعة في أي مكان بما أنها قلعة المحافظة الحصينة لا تستجيب بسهولة لدواعي التحديث الأدبي والنقدي". وفي حوار أجرته "الوطن" مع الغامدي، يكشف بعضا من ملامح علاقة الدرس الأكاديمي داخل القاعات الدراسية بما يحدث خارجه من أفكار وإبداعات، كذلك يتحدث عن الدور الذي يمارسه الأكاديميون في المؤسسات الثقافية وخصوصا الأندية الأدبية. فماذا قال الغامدي؟

- يتردد دائما في الأوساط الأدبية أن هناك فجوة كبيرة بين الدرس الأكاديمي داخل القاعات الدراسية بالجامعات السعودية والحركة الأدبية في المملكة .. كيف تنظر للأمر؟ وما حقيقته؟.. وهل تقوم أقسام اللغة العربية بدور واضح في حركة النقد الأدبي مثلا؟

قد تُفاجأ إذا قلت لك: إن الأمر الطبيعي البدهي الذي لا غرابة فيه هو أن توجد هذه الفجوة، وأن تكون "كبيرة" كما ورد في سؤالك. ذلك لأن الطبيعي البدهي الذي لا غرابة فيه أيضًا هو أن الجامعات لا يمكن أن تقود ولا أن توجه دفة الحركة الأدبية أو النقدية، في المملكة ولا في أي مكان آخر من العالم. بل من المعلوم المؤكد أيضًا أن الجامعة ـ بما أنها قلعة المحافظة الحصينة لا تستجيب بسهولة لدواعي التحديث الأدبي والنقدي، فضلا عن أن تسهم بصورة إيجابية جادة فيه، وقد تتأخر كثيرًا جدًّا في الاعتراف بما يتم تحديثه وتطويره خارجها. من هنا أرى أن أقسام اللغة العربية في الجامعات تقوم بدورها المنتظر منها على أكمل وجه. والمشكلة لا تأتي إلا حين نتوقع من الأقسام ما لا يمكن أن تفعله، أو نطالبها بإنجاز أمر ليس في مقدورها أن تنجزه.

ـ لماذا يتسابق الأكاديميون على شغل كراسي الأندية الأدبية وبعضهم كما يقال لم يكتب خاطرة أدبية سليمة؟ وهل تشعر أن الأمر مجرد "برستيج اجتماعي" لدى هؤلاء ؟

قد أنظر إلى مسألة شغل كراسي الأندية الأدبية من منظور آخر أفرق فيه بين من يوصفون بـ "الأدباء" ومن يتولون إدارة العمل الأدبي والثقافي. أنا أرى أن إدارة العمل الثقافي لا تتطلب في الذين يتولونه أن يكونوا أدباء. وقد رأينا بعض الأدباء يفشل في إدارة العمل الثقافي، وبعض من لا حظ له في الأدب ينجح فيه. كما أعتقد أن المشكلة لا تكمن في الأشخاص الذين يسعون إلى شغل الكراسي، بل في الأشخاص الذين قد ينتخبون من لا يصلح لإدارة العمل الثقافي. وأظن أن تجربة الانتخابات في الأندية الأدبية ستؤدي بالناخبين مع مرور الوقت ونضج التجربة إلى اختيار الكوادر التي تدير الأندية بصورة أفضل مما يحصل اليوم. وإذا تحقق ذلك فلن يجد حينها من سميتهم بـ " المتسابقين" و"الباحثين عن البرستيج الاجتماعي" مكانًا.

- هل ترى أن القيادات الإدارية في الجامعات السعودية تتعمد تهميش الأدب والفنون المسرحية مثلا لعدم قناعتها ومعرفتها بدورها في العالم.. أم لأسباب أخرى، مثل الخوف من الأديب والاعتقاد بأنه شخص غير "مروض" وقد يسبب مشكلات؟

أعتقد أن القيادات الإدارية في الجامعات بريئة من تعمد التهميش بالصورة الواردة في السؤال. لأن من يتعمد التهميش لا بد أن يكون عارفًا ومقتنعًا بأهمية ما يتعمد تهميشه. أما من يهمِّش شيئًا لأنه لا يعرفه أو ليس مقتنعًا بأهميته فهو بريء من تهمة التعمد. لقد سبق أن قلت لك في إجابة سابقة إننا لا ينبغي أن نتوقع من الجامعة ما لا يُنتظر منها وما لا تقدر عليه. علينا أن نعيد توجيه سؤال التهميش هذا إلى المجتمع لا إلى الجامعة، ونقول: لماذا يهمش المجتمع الفنون عامة وفن المسرح خاصة، بل أبعد من هذا: لماذا يقف المجتمع في حالة عداوة حقيقية مع الفنون والآداب عامة، ومع فن المسرح خاصة.

- من خلال علاقتك المباشرة بطلاب الأقسام الأدبية واللغة العربية .. هل ترى فيهم حماسا أو بوادر لتأسيس نهضة ثقافية جديدة من خلال الأدب مثلا ؟ أما أنهم مجبرون على دخول أقسام الأدب من مبدأ ( مكره أخاك لا بطل)؟

أعجبني كثيرًا تطبيقك المثل "مكره أخاك لا بطل" على طلاب أقسام الأدب واللغة. وسر إعجابي بذلك هو أنني لاحظت أن مبدأ توزُّع طلابنا على تخصصي "العلوم التطبيقية" و"العلوم الإنسانية" لا تحكمه الميول والقدرات كما هو المتوقع، بل يحكمه أولا وأخيرًا التفوق أو التأخر في التحصيل الدراسي على وجه العموم. فيذهب المتفوقون إلى هناك ويأتي المتأخرون إلى هنا. ثم في مرحلة تالية يحكم توزع المتأخرين على تخصصات العلوم الإنسانية حظ كل منهم في التأخر، وفي الغالب يكون نصيب الأدب واللغة ذيل القائمة. ومن هذا الوجه ينطبق المثل الذي ذكرته، وبهذا الوجه أيضًا تصبح إجابة السؤال عن بوادر تأسيس النهضة واضحة كالشمس في رابعة النهار.

-بصفتك من المهتمين بحركة الإبداع الروائي في المملكة.. في أي لحظة (إبداعية / زمنية) يمكن أن نتوقع أن تفرض أعمالنا الأدبية نفسها فتترجم إلى لغات عالمية مختلفة دون أن يسعى بعض هؤلاء الأدباء لاستئجار مترجمين لأعمالهم؟

ليس من السهل توقع مدى زمني معين لوصول أعمالنا الروائية إلى العالمية. لأن حركة الإبداع تختلف عن حركة الفكر، من حيث إمكان ظهور أعمال إبداعية مفاجئة وغير متوقعة في أي لحظة، في حين تتصاعد الحركة الفكرية بصورة متدرجة حتى تصل إلى ذروتها. أما ترجمة الأعمال إلى لغات عالمية أخرى فستأتي بالتأكيد نتيجة تلقائية لشهرة الأعمال ومدى ما يصل إليه صداها. وأما الذين يقومون باستئجار مترجمين لأعمالهم فلا أكثر من أن تكون ترجماتهم تعريفًا بأعمالهم في الخارج، ولا ضير في ذلك عندي.

- التنافس بين اللغتين العربية والإنجليزية في تدريس المقررات الدراسية بالجامعات .. هل سينتهي بإغلاق أقسام اللغة العربية؟

العلاقة بين اللغات في تدريس المقررات ليست علاقة تنافس. وقضية تدريس المقررات الدراسية في الجامعات بغير العربية قد يسيء فهمها الكثيرون، ويؤولونها على أنها هيمنة للغات الغرب وتهميش وازدراء للعربية. والمسألة في حقيقتها ليست كذلك، بل القضية بكل بساطة هي أنه لا مناص من تدريس كثير من العلوم البحتة والتطبيقية بلغات من وضع مصطلحاتها وتفاصيلها الدقيقة. ولا بد من الاعتراف أن اللغات تلحق بمتكلميها ولا يلحقون هم بها، ولو لم يصل المتكلمون بالإنجليزية إلى ما وصلوا إليه لما صارت اللغة الإنجليزية لغة العلم الأولى اليوم. على المرء إن أراد مواجهة القضايا المعرفية العلمية الجادة أن يكون موضوعيًّا وأن يضع جانبًا ويحيِّد مواقفه الأيديولوجية، وأن يحرص على عدم الخلط بين الأمرين (المعرفي والأيديولوجي).