وافق والدها الشيخ الكبير في قبيلته على مصاهرة شخص له مكانته الرفيعة ومنزلته العالية، لتجد نفسها بعيدةً عن أهلها وربعها في قصر منيف يملؤه الخدم، كلهم يطلبون ودها وقبلهم الرجل العظيم الذي تزوجته، لكن قلبها لم يكن كشجر العرعر الذي منح جبال ديار قبيلتها الخضار والمنظر الحسن والرائحة الزكية، على الرغم من الرياح والمطر وحبات البرد وشمسهم الغاضبة أحياناً.
بكت وتألمت.. طالبت بالعودة، لكن لم يكن ثمة نية للسماح بعودتها، حاولت استدرار شفقة الخدم ليكتبوا رسالة لوالدها، لكنهم أبوا خيانة سيدهم، ففكرت وأمسكت بورقة أحرقت حافتها ثم قامت بطيها وطلبت الذهاب للسوق، في السوق لمحت رجلاً يشبه "ربعها"، اقتربت منه وسألته إن كان يعرف الشيخ فلان؟ فرد: "شيخنا"، مدت إليه الخطاب وصرخت به: "انطلق به له.. أنا ابنته"، حاول الخدم اللحاق بالفتى لكنه كان قد حلّق بساقيه في الريح، شاهد والدها الخطاب المحترق فعلم أن قلبها قد احترق، وذهب للرجل وطلب تطليق ابنته منه لتعود لديارها.
لا أعرف ماذا حدث في مجتمعنا.. ولِمَ أصبحت قصص النساء المقهورات شيئاً عادياً.. تسمعها لتقول غيرها كثير!!
في البدء لن أتحدث عن المعنِّف، أي الرجل، بل دعونا نتأمل المستقبل أو المعنفة المرأة:
أوقن بأن تربية المرأة لدينا تغيّرت، لم تعد المرأة تجابه الحياة بل تخضع لها، فالمرأة التي كانت تصعد للنخلة ولا تنزل حتى يطلقها الرجل -حدث ذلك لإحدى قريباتي- الذي ربما تزوج عليها فقط، أو سخر منها، أو ضرب طفلها، هذه المرأة أصبحت تخشى أن تطلب الطلاق من رجل مثل الذي سمعنا قصته في ثامنة داود الشريان والذي يجبرها على أكل فضلاته - أكرمكم الله - ثم تقول: "وين أروح؟"، كيف "وين تروحين"؟
في الثلاثين سنة الأخيرة نلاحظ تغيراً كبيراً في التعامل مع الفتاة، ربما أوله عدم تعويدها على تحمل المسؤولية، فتبدو في البيت كالضيفة؛ فلا علاقة لها بالمطبخ أو حتى تنظيف غرفتها، وتبرر الأمهات ذلك بالحرص على مستقبلها الدراسي، لنكتشف في النهاية فشلها في الاثنين. والعمل المنزلي يجعلها تثق في نفسها وفي قدراتها؛ فتكتشف ما هي قادرة على إحداثه، وليس شيئاً هيناً أن تشاهد الأنثى إخوتها وأباها يأكلون من يدها، إن ذلك يعزز ثقتها في ذاتها، كما أنها من الممكن أن تمارس بعض العمل خارج المنزل؛ كتقديم خدمة اجتماعية للحي، أو لنادي الحي، أو مدارس التحفيظ.
إن الاعتماد على المدرسة في صناعة الفتاة لا يكفي، وبخاصة أنهن غالباً متلقّيات ونادراً جداً ما يسمح البناء المدرسي وساعـات الـدوام بقيامهن بالمشاريع التي تسمح لهن بالتجريب. في الوقت الذي كانت فيه جداتهن يحملن الماء للمنزل من العين، ويشاركن في الحصاد، بل حـراثة الأرض ومواسم الصرام، كجزء من حياتهن اليومية؛ أي أنهـن نساء منتجات ولسن مثل بناتنا، تصل إحداهن إلى عمر ما بعد الجامعة وهي كائـن متلقٍ لم يكتشف ذاته بعد، ولم يعرف ما الذي ينفع بالضبط!!
إن غالب النساء المعنفات يبقين في دائرة معنفيهن؛ لأنهن غير مستقلات مادياً ولا يجدن بيتاً يؤويهن، وبسبب الأوضاع الاجتماعية والغلاء يقف الإخوة والآباء عاجزين عن الإنفاق على هذه المرأة وأطفالها؛ فيبادرون بنصحهن بالبقاء مع الزوج، وربما انتهى الأمر بمقتلهن ببساطة ونحن نتفرج، وهنا يبرز دور الحكومة لنطرح عليها ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية هذا السؤال:
متى نرى بيتاً للمرأة المعنفة؟ ولا أقصد دور الفتيات، أعني ما يشبه الرباط الذي كان أهل جدة ومكة يجعلونه للنساء الضعيفات والفقيرات، يؤويهن وأطفالهن لوجه الله عز وجل، مثل هذه البيوت لو أقيمت واحترمت المرأة التي تسكنها بحيث تملك حرية الذهاب للبحث عن عمل أو التسوق فستلجأ إليه العديدات، وبهذا ننقذهن من الموت تحت يد معنف ما.
القانون كذلك يؤدي دوراً كبيراً في الحد من العنف الواقع على المرأة، ولا يمكن أن يتوقف العنف دون تأديب للمعنف، ولا يجب أن تكون مواقفنا ردات فعل عند كل قضية، أعني أن نبدأ بإنشاء قانون حماية المرأة من العنف دون أن نفزع لكل حالة على حدة، بل يجب أن تجرم جميع أشكاله ضد المرأة.
كما أنه للأسف لا يوجد لدينا قوائم بأسماء الرجال المعنفين، بحيث يستطيع والد الفتاة اكتشاف سوابق الخطيب في تعامله مع المرأة، ولو رجعنا للسنة نجده صلى الله عليه وسلم حذر الصحابية من أبي الجهم فقال: "أَما أَبو جَهم، فلا يضع عصاه عن عاتقِه"، وهذا يدل على الجواز، فلِم لا نبادر بذلك ويصبح جزءاً من ترتيبات الزواج كالتحليل الذي يجريه الخطيبان؟
إن المرأة كائن تقوم عليه - بعد الله - الحياة، فهو من تنشأ الحياة أولاً في رحمه، ثم بين يديه؛ لذا صيانته وحفظه هما حفظ للحياة وانتصار لها.