اجتمع قادة الدول العربية في الرياض، وكان أمامهم ثلاث قضايا رئيسية هي: بين 300 مليون نسمة يشكلون العدد الكلي لسكان الدول العربية منهم 100 مليون أمي و20 مليون عاطل وفجوة تقنية بين هذه الدول.. وهذه القمة هي القمة الثالثة بعد قمة الكويت في يناير عام 2009 وقمة شرم الشيخ في يناير عام 2011، وتأتي هذه القمة في ظل تطلعات الشعوب العربية، وظهور الربيع العربي الذي شكل منعطفاً سياسياً للدول العربية، أدى إلى تغير المشهد السياسي بصورة كبيرة..

في ظل تلك الظروف كان لابد من بذل جهود تتناسب مع تطلعات وطموحات تلك الشعوب.. وبالرغم من أن هذه هي القمة الثالثة، إلا أن العالم العربي لا زال يعاني من مشكلات الفقر وعدم العدالة الاجتماعية والبطالة وجمود الاستثمارات فيه عند حد 25 بليون دولار.. وبالتالي ظلت المشاكل كما هي.. وبالرغم من القرارات التي تم الوصول إليها في قمة الكويت لمعالجة المشكلات السابقة، والتي تمثلت في الربط البري بالسكك الحديدية والاتحاد الجمركي والأمن المائي للتنمية والتشغيل المجدي للعمال العرب، وإيجاد فرص للعمل وإقرار البرنامج العربي للحد من الفقر وتطوير خطة التعليم بزيادة ميزانياته لعام 2009، والإعلان العربي للتركيز على الدول الأقل نمواً لتحقيق الأهداف التنموية للألفية Millennium.. وتحسين خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتطبيق نموذج "طب الأسرة" ووضع ذلك في أولويات برامج وزارات الصحة، وتكليف وزراء الصحة العرب بإعداد مشروع عربي متكامل في هذا الشأن.. وبالرغم من القرارات التي تم اتخاذها في مؤتمر يناير عام 2011م في شرم الشيخ والتي تمثلت في 23 مشروعاً منها الربط البحري لشبكات الإنترنت ومبادرة البنك الدولي لدعم خطط التنمية بالدول العربية، واستكمال "الربط السككي" عبر خطوط السكك الحديدة بكل منها والأهداف التنموية للألفية، إلا أن هناك مشكلة "الروتين" التي عبر عنها الأمير سعود الفيصل في قوله في مؤتمره الصحفي الذي عقد قبيل انعقاد القمة بقوله: "إن اجتماعنا يجب أن لا ينزلق في وحل الروتين" في دلالة على أن الروتين سيشكل مشكلة لتنفيذ قرارات هذه القمة والقمم التي سبقتها.

في القمة الثالثة في الرياض تم التركيز على المشكلات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر وتحقيق تطلعات الشعوب ومنها مشكلات الفقر والبطالة والعدالة الاجتماعية، وذلك بالتعامل مع قضية البطالة والأمية وردم الهوة الرقمية. وركزت الحلول على إجراء إصلاحات وتشجيع القطاع الخاص كشريك استراتيجي في التنمية لأن القطاع الخاص هو الذي يمكن بواسطته حل معضلة "الروتين" التي حالت دون تنفيذ قرارات القمم السابقة؛ لأن القطاع الخاص هو الأسرع لاقتناص الفرص وهو الأقدر على التنفيذ العاجل، والأقدر على اتخاذ مبادرات والأقدر على خلق فرص عمل كثيرة.

كما ركزت القمة على الإنتاجية وخلق فرص عمل ووظائف للعاطلين والتعامل مع المطالب الاقتصادية والاجتماعية للربيع العربي.. وركزت القمة على أحد قرارات شرم الشيخ وهو الإعلان العربي لتحقيق الأهداف التنموية للألفية مع التركيز على الدول العربية الأقل نمواً.. ودعم مشروعاتها من خلال الصندوق العربي للأنماء الذي تم تأسيسه لهذا الغرض.. وركزت القمة على وضع آليات تضمن بشكل عملي تنفيذ قرارات القمة العربية وتذليل الصعوبات لتمكين القطاع الخاص من المساهمة بفاعلية في الاستثمار في مشروعات "الطاقة المتجددة"Renewal Energy، واقتراح مصادر مناسبة للإسهام ودعم بناء "السوق العربية للطاقة المتجددة".. وكذلك البدء بإعداد "خطة عمل رئيسية".. plan Executive Action تتضمن برامج وأنشطة تتماشى مع أوليات الدول العربية حسب حاجة كل دولة وحسب أولوياتها وحسب المشاكل الملحة التي تعاني منها.. وكما نعلم فإن الألفية الثالثة التي نعيش فيها تحدد أولويات، وتقتضي القضاء على مشكلات، ولها متطلبات لا يمكن أن تكون الحياة مستقرة دون تلبيتها؛ ولهذا وعت القمة العربية لهذه المشكلة وأعطتها أولوية وكانت ضمن مشروعاتها منذ البداية. وتم التركيز على الدول الأقل نمواً التي تعاني من مشكلات ملحة مثل الفقر والبطالة والأمية. والأمران المهمان في هذه القمة حسب رأيي هو إدخال القطاع الخاص كشريك رئيسي في تنفيذ خطط مشروعات القمة العربية، والتركيز على "الطاقة المتجددة".

وفي رأيي إذا تم تجاوز الروتين وأعدت الآليات التي تشجع القطاع الخاص وتيسر الإجراءات له والعمل على طمأنته وضمان استثماراته عن طريق القمة، وإذا ما نجحت القمة في دعم "صندوق الاستثمار اإانمائي" الذي أعد لهذا الغرض فإنه يتم بذلك التخلص من "الروتين" الذي عبر عنه الأمير سعود الفيصل، وبالتالي ضمان تنفيذ المشروعات، كذلك لابد من تقييم مشروعات القمم السابقة في الكويت 2009 وشرم الشيخ 2011م لمعرفة ما الذي تم تنفيذه وما الذي لم يتم.. ولماذا ؟ والعقبات التي اعترضت تنفيذ تلك المشروعات، وتخويل لجنة دائمة الانعقاد على مستوى القمة لها كامل الصلاحيات في معالجة المشكلات التي تعترض تنفيذ المشروعات.

مشروعات القمة لابد أن يصاحب كل منها خطة عمل ببرنامج محدد يتضمن اسم المشروع وتاريخ تنفيذه والمسؤول عن تنفيذه والمعوقات التي اعترضته والمسؤول عن معالجتها وتاريخ المعالجة وهل تمت المعالجة أم لم تتم ولماذا؟ المتابعة الدقيقة لمشروعات القمة والتعامل مع العقبات والمشكلات بشكل فوري أمر مهم حتى يتم ضمان نجاح مشروعاتها.

ويمكن للجنة العليا المشرفة على مشروعات القمة تشكيل فرق عمل لكل مشروع مسؤولة عن تنفيذه وإعداد تقارير دورية ربما شهرية للجنة العليا عن سير كل مشروع حتى تتم معالجة مشكلاته ونضمن تنفيذه في المدة المحددة.

وخلاصة القول: إن القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية كانت في وقت يعيش فيه العالم العربي ظروف شديدة الحساسية.. ولشعوبه مطالب ملحة ويعاني من مشكلات مؤلمة. وقد جاءت القمة في وقت مناسب واتخذت قرارات واعتمدت مشروعات تتعامل مع تلك المطالب وتعالج المشكلات.

نسأل الله جلت قدرته أن يكون النجاح حليف تلك المشروعات وترى النور لما فيها من خير واستقرار لشعوب الدول العربية.