عطفا على مقالة البارحة سأتحدث اليوم عن آباء مع وقف التنفيذ، والذين ستجدهم في كل واد يهيمون، وفي الاستراحات ومع (البشكات) دوما متواجدين، وبالسفريات والروحات والجيات متيمين، وبالأنا وإرضاء نزعاتها ونزواتها ليلا نهارا يهجسون! وما أن يدلف أحدهم إلى بيته إلا ويضع قناع التكشيرة والتجهم على وجهه، ويلبس (طاجن سته)، فالأبوة في عرف هذه النوعية من الآباء ليست إلا جيبا يدفع، ورصيدا بنكيا يمول، ونزعات استهلاكية تُرضى، وسلطة غاشمة متعالية على البيت وأهله لا يحق معها التنازل بابتسامة أو الترفق بإيماءة عطوفة! فالابتسامة تخل بشروط "الأبوية" العتيدة، والرفق والعطف ينزل الأب من عرشه المتعالي إلى منزلة الرعاع من الأبناء والبنات! والتلطف والتبسط وفتح قنوات للحوار مع أهل بيته، سيفتح عليه أبوابا لا يمكن غلقها، وهنا لابد وحتما من سد المنافذ أمام فتن الحوار ما ظهر منها وما بطن، وبناء سدود العزل في وجه غوايات الأخذ والرد مع الأبناء والبنات، التي قد تجر وراءها مطالبات ومساءلات! ولا تتعجب لو علمت أن أحدهم لا يعرف في أي صفوف دراسية يدرس أبناءه وبناته، ولا عن وقت ابنه فيما يجزيه، أو ليله أو نهاره فيما يقضيه، ويكاد لا يفقه شيئا عن اهتمامات عياله أو هواياتهم وأصدقائهم! بل ستجد السائق يحل مكان الأب في كثير من الأمور، فكثيرا ما تبعثه الأم للمدرسة لحل إشكالية، أو الاستفسار عن مستوى الابن الدراسي، أو فك خناقة كان ابنها طرفا فيها وهلم جرا! فالنسل والعيال في هذه الأحوال ليس إلا تكملة للصورة ولزوما للوجاهة ومصدرا للعزوة، وإثباتا لشهادة الأهلية الاجتماعية، ومجالا للافتخار بالإنجاز الذاتي! أي أنهم ليسوا إلا وسيلة يؤطر بها الأب ذاته ونرجسيته وتكملة لمشروعه الوجودي، دون أن يلزم نفسه بتبعات أو مسؤوليات، وتتفاقم الحال بالطبع في حالة التعدد وتفرع الأبناء لأكثر من زوجة، ليصبح حتى تلبية الاحتياجات المادية كاملة ضربا من المحال، فكيف بالاحتياجات النفسية والعاطفية؟!
والمؤسف هو ملاحظة أشباه هؤلاء الآباء حتى في الفئة الشابة أو حديثة العهد بالأبوة، حيث تتحول التكشيرة والتجهم داخل البيت إلى انفلات وتسيب مع الأبناء وتدليل مفرط والمهم هو شراء سكوتهم، فلا وجود لممنوعات أو محظورات أو نظام هيكلي يمسك بالأسرة! وتختزل الأبوة ومسؤولياتها في توفير الاحتياجات المادية للأطفال، والحرص على المظهرية والكماليات الاستهلاكية، أو تسفيرهم في الإجازة كل صيف! في إهمال تام لمعنى الأبوة وقيمتها كمرتكز نفسي ومعنوي يكفل للأطفال الصحة النفسية، ويعينهم على فهم الحياة والتصالح مع مصاعبها!
والإشكالية أن هناك التباسا وضبابية في مفهوم الأبوة والمهام المترتبة عليها في عرفنا الاجتماعي، وعدم إدراك لأهمية دور الأب الفاعل في حياة أبنائه منذ مرحلة الطفولة المبكرة وحتى يشبوا عن الطوق! فيخلى جانب الأب من مسؤولية التربية ويلقى العبء كله على الأم التي كثيرا ما تفشل أو ترهق من القيام بالدورين معا، بينما التربية مسؤولية مشتركة بين الأب والأم معا.