بعض الزوجات يجدن أنفسهن ضحايا للعنف الأسري المتكرر الصادر من الأزواج، سواء كان هذا العنف بدنيا أو أنه على شكل إساءة معاملة نفسية أو عاطفية أو لفظية وبشكل متكرر، ورغم ذلك تستمر الزوجة في البقاء في المنزل ولا تغادره، وتضطر للتعايش مع هذا العنف لعدة سنوات، كحال بعض النساء اللاتي تحدثن في إحدى حلقات برنامج الثامنة مع داود. فما الذي يجعل المرأة تتحمل هذا العنف والقسوة وإساءة المعاملة التي لا تطاق وقد تصل إلى المخاطرة بفقدان حياتها في بعض الحالات؟

المهتمون بالعنف الأسري يعتقدون أن وجود الأطفال في الكثير من هذه الحالات يجبر المرأة على التضحية والتعايش مع العنف، خصوصا أن المرأة دائمة التفكير في مصير أطفالها بعد مغادرتها المنزل، وكثيرا ما تسمع تهديدا بحرمانها من أطفالها في حال قررت التمرد والخروج من بيت الزوجية، فتضطر إلى تقديم التضحيات من أجل مصلحة أطفالها ورعايتهم، وتفضل البقاء مع زوجها والتعرض للعنف أو إساءة المعاملة إذا كانت مصلحة الأطفال تقتضي ذلك. وفي المقابل توجد زوجات ليس لديهن أطفال، ورغم ذلك يتعايشن مع العنف الأسري داخل المنزل، ويكون السبب في ذك الخوف من وصمة الطلاق، فالمرأة تعتقد أن النجاح في الحياة الزوجية يمثل أكبر نجاح للمرأة في حياتها، وفي المقابل فإن فشل الحياة الزوجية مهما كانت الأسباب ينظر إليه على أنه فشل للمرأة، ولذلك فإن بعض النساء تتحمل العنف والضرب والمشقة البالغة في سبيل نجاحها في الاستمرار في حياتها الزوجية ونجاحها كزوجة، وقد تكون هناك مراعاة لاعتبارات القرابة والحفاظ على وحدة العائلة في بعض حالات زواج الأقارب، والخوف من غضب الأهل وطلبهم من ابنتهم البقاء في منزل زوجها هو الذي يجبر الزوجة على التعايش مع العنف. بعض المهتمين بالعنف الأسري ربما يضعون جزءا من اللوم على الاعتمادية المطلقة على الرجل أو الزوج بشكل كامل، وتزداد هذه الاعتمادية في المجتمع السعودي حيث إن المرأة تجد صعوبة بالغة في ممارسة الحياة بشكل طبيعي دون الاعتماد على رجل، وتعرف المستقبل المجهول الذي ينتظرها ومقدار العراقيل التي توضع أمامها، فالمرأة لا تستطيع ممارسة حياتها بشكل طبيعي دون الاعتماد على رجل وتضطر أن تقدم التنازلات لأنها لا تستطيع الاستقلال بنفسها، وحتى لو أرادت ذلك توضع أمامها العراقيل من قبل المجتمع.

يضاف إلى ذلك فقدان الدعم والمساندة في حال كانت الزوجة غير سعودية، أو ليس لها أقارب تلجأ إليهم في نفس المدينة، أو أن أقاربها غير مبالين بما تعانيه، والكثير من الزوجات ليس لهن مصدر دخل، ويعانين من نقص المهارات وضعف التعليم وندرة في فرص العمل المتاحة والخاصة بالمرأة، وأحياناً الجهل بالحقوق والواجبات، فتجد نفسها مجبرة على التعايش مع العنف.

ويعد عدم وجود نظام للحماية من أهم الأسباب، فالزوجة تعرف أنه لن يتم إنقاذها من العنف الذي تتعرض له، وسوف تتم إعادتها إلى المعنف دون عقاب، وهذا يؤدي إلى فقدان المساندة المجتمعية للزوجة، وعدم وجود حماية ونقص الموارد والمصادر المجتمعية لمساعدة أو حتى استضافة ضحايا العنف، لتضطر المرأة إلى التعايش مع العنف الذي لم يعد منه مفر، لأن البديل لا يختلف كثيرا عن الوضع القائم، ويأتي ذلك مشفوعا بإحساس الزوجة أنها لن تحصل على حماية من الجهات العدلية والأمنية.

وجد في بعض الحالات أن بعض الزوجات يتعايشن مع العنف لأسباب عاطفية، فقد تكون تحب زوجها أو تعلم أنه يحبها ويثبت ذلك لها بالفعل، كما أن بعض النساء يمضين في حياتهن مع أزواجهن رغم عنفهم اعتقاداً بأن العنف لن يتكرر، وأن المستقبل سوف يكون أفضل، وتعتقد أن هذه هي المرة الأخيرة التي يحدث فيها العنف.

هذه الأسباب تستوجب الاهتمام من قبل جميع مؤسسات المجتمع وإعادة النظر في حق حضانة الأطفال والسرعة في البت في قضاياهم، فضلا عن ضرورة إيجاد تشريع أو نظام واضح للحماية وتمكين المرأة من الاعتماد على نفسها وممارسة حياتها وقضاء جميع احتياجاتها بسهولة وإزالة جميع العقبات والعراقيل التي توضع في طريقها التي لا تستطيع اجتيازها إلا بالاعتماد على رجل قد يسيء معاملتها، وعلاوة على ذلك معالجة قضايا بطالة النساء وضرورة توفير فرص عمل للراغبات في العمل من أجل إعالة أنفسهن، بدلا من الاعتماد على أصحاب النفوس الضعيفة.