سيتصور البعض أن ثمة خطأ في عنوان المقال، أما آخرون فلن يذهب بهم التصوّر نحو هذا الاتجاه، ولكنهم سيعتبرون الكلمة الأولى "لغزاً"، بينما الكلمة الثانية "معضلة لغوية"! أما القليلون جداً فهم من سيعرف أن "المعثكلة" هي المرادف العربي لغدة "البنكرياس"، وبينما يستطيع تلميذٌ في العاشرة من عمره أن يعرف ما معنى كلمة "بنكرياس"؛ فإن كثيراً من أساتذة العلوم الصحية فضلاً عن جمهور الممارسين الصحيين العرب سيندهشون عندما يكتشفون ما تعنيه كلمة "معثكلة"، وبما يسخرون عندما يكتشفون أنها تستخدم في تدريس طلبة بعض الكليات الصحية التي عربت تدريسها. أما الكلمة الثانية في العنوان فهو المصطلح الذي فاجأني بشدة قبل سنوات، عندما علمت بالمصادفة أن قسم "علم الأدوية" بكلية الصيدلة في جامعة الملك سعود، كان يستخدم -قبل ثلاثين عاماً- "قسم الأقرباذين" عنواناً له، وأنها الكلمة العربية المرادفة لمصطلح "علم الأدوية "!

هاتان الكلمتان البسيطتان توضحان باختصار أزمة تعريب العلوم، وخصوصاً الصحية منها، تلك العملية التي ما زالت تراوح مربعها الأول: هل التعريب ضرورة؟ أم مجرد بهرجة قومية؟ أم أنها حلقة أخرى ضمن حلقات الصراع بين الأصالة والتحديث؟

إن أزمة التعريب لا تلقي بظلالها القاتمة فقط على التعليم الجامعي، بل تصل في مداها الواسع إلى صيغ التعامل اليومي في المدارس والبيوت والمعاملات، فهي ضاربة في أطناب معيشتنا، وتدخل في نسيج حياتنا اليومية بشكل يفوق التصور، ومن هنا تنبع المشكلة الأم! إن الدعوة إلى تعريب العلوم الصحية بشكل حقيقي وليس مجرد رتوش عابرة، هي دعوة تنطلق من منطلقين أساسيين؛ الأول: قدرة اللغة العربية على استيعاب العلوم الصحية ومصطلحاتها، والثاني: أن الممارس الصحي من صيدلي أو طبيب أو فني أقدر على التعبير عن نفسه كتابة وقراءة وحواراً بلغته الأم، أفضل من أي لغة مكتسبة، وبالتالي فإن تواصله مع مريضه يصبح أكثر سهولة، وأعمق أثراً.

الأسوأ من ذلك حينما نجد أن كثيراً من الدول الأوروبية، مثل السويد، والنرويج، وألمانيا، والنمسا، ودول أخرى من دول العالم الثالث يقل عدد سكانها عن العشرة ملايين تدرس العلوم الصحية بلغاتها الأصلية، بينما الدول العربية وقد تجاوز عدد سكانها الثلاثمائة مليون، لا تزال كليات العلوم الصحية فيها تدرس باللغة الإنجليزية أو الفرنسية! ما عدا ثماني كليات فقط.

يجادل البعض أنه من الصعوبة تدريس العلوم الصحية باللغة العربية، نظراً لاعتمادها الكبير على المصطلحات الطبية، وهي ذات أصول لاتينية، فضلاً عن أن أغلب الدراسات والمستجدات العلمية تنشر باللغة الإنجليزية في المجلات العلمية، وهذا صحيح من جهة واحدة فقط، إذا اعتبرنا اللغة الإنجليزية هي الوعاء الحالي للنشر العلمي، ولكن الدراسة باللغة العربية لا تعني بالضرورة التنازل عن قدرة الممارس الصحي على قراءة واستيعاب اللغة الإنجليزية، وخصوصاً المصطلحات العلمية، حيث وجدت دراسة علمية أجريت في كلية الطب بجامعة الملك فيصل أن نسبة المصطلحات الطبية في كتب الطب المقررة على الطلاب لا تزيد على 3.2% من مجموع الكلمات، وأن الطالب الذي يدرس باللغة العربية تزداد سرعته 43%، وتتحسن قدرته على الاستيعاب 15% عما لو قرأ باللغة الإنجليزية.

للأسف واقع تدريس العلوم الصحية في البلاد العربية هو هزيمة نفسية قبل كل شيء، خاصة إذا علمنا أن الطالب الخريج لا يستطيع كتابة صفحة واحدة باللغة الإنجليزية دون أخطاء فادحة، ليس فقط من الناحية الأسلوبية فقط، بل من الناحيتين الإملائية والنحوية، وذلك لأنه درس بلغة إنجليزية ركيكة، أو لغة هجينة من العربية والإنجليزية، سببها صعوبة التدريس الكامل باللغة الأجنبية لغير الناطق بها، وعدم تمكّن المدرسين منها، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى اعتماد الطالب على الملخصات السريعة، وعلى الحفظ والتلقين دون الفهم والاستيعاب، وبالتالي البعد عن المراجع العلمية "الدسمة"!

قبل سنوات طويلة وافق وزراء صحة الدول العربية على تعريب العلوم الصحية، وأسس مركز تعريب العلوم الصحية "أكمل" في الكويت عام 1980، على أن تكون البداية بتعريب الطب الشرعي، ولكن للأسف لم يتحقق شيء، سوى بضع مساهمات من قبل المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة الدولية، حيث أصدر معجماً موحداً للمصطلحات العربية، ساهم في ردم فجوة اختلاف المصطلحات بين المشرق والمغرب العربي، لكن هذا الأمر ليس كافياً، بل إن هذه القضية المهمة تحتاج تضافر جهودٍ حقيقية، وقرارات ملزمة لجميع الدول العربية، وأن تقوم معاهد ومراكز الترجمة والتعريب بدورها الحقيقي، بعيداً عن متلازمة عقد المؤتمرات وإصدار كتاب هنا وكتيب هناك فقط، وأن تعمل على تعريبٍ سهل وبسيط، بأن تبتعد عن الكلمات الغريبة مثل "المعثكلة" أو "الأقرباذين" كما تقدم، كي لا يعتقد البعض أن لغتنا العظيمة عقيمة عن استيعاب المصطلحات المستجدة.

التعريب مسألة أساسية على درب مجتمع "اقتصاد المعرفة"، وضرورة نحو إعادة تقدمنا الحضاري، فلغتا العربية هي لغة القرآن الكريم، ورابطة الأمة ووعاء فكرها، ودعونا نتذكر أننا قد وصلنا المغرب والمشرق حينما كنا نتعلم ونترجم إلى لغتنا الخالدة، حينها كنا أمة مبدعة وليس أمة ناقلة فقط.