قد تكون واشنطن آخر مكان على وجه الأرض يتوقع فيه المرء نقاشا صريحا حول جهود الولايات المتحدة الفاشلة لتصميم استراتيجية في الشرق الأوسط. ولكن الأسبوع الماضي كان استثناء. عقد مجلس سياسة الشرق الأوسط، وهو صوت سياسي محترم يواجه الدعاية الصهيونية المعهودة التي تهاجم أعضاء الكونجرس، جلسة بحث بعنوان "الاستراتيجية الأميركية الكبرى في الشرق الأوسط: هل هناك واحدة؟" المتحدثون الأربعة قدموا تشخيصا جماعيا عن فشل واشنطن في تحقيق أي تقدم ذي معنى في الشرق الأوسط على مدى عدة عقود. كانت رسالة قاسية، لكنها رسالة كان صانعو السياسة في واشنطن بحاجة إلى سماعها.
المتحدث الرئيسي، تشاس فريمان، كان السفير الأميركي في السعودية خلال فترة عملية "عاصفة الصحراء". قدم فريمان رؤية نقدية قوية قائلا إن عدة إدارات أميركية حاولت أن تتبع سياستين مختلفتين في الوقت نفسه، مما ضمن فشل الاثنتين معا. أولا، كل رئيس منذ ليندون جونسون سلح ودافع عن إسرائيل بدون أي تردد، وفي الوقت نفسه كان كل رئيس يحاول أن يتبع استراتيجية التحالفات الاستراتيجية مع دول الخليج، ومصر، وتركيا.
باسترضاء وتسليح إسرائيل، خربت الولايات المتحدة العلاقات مع كامل العالم العربي. وفيما زاد طمع إسرائيل بالأراضي، ومع تراجع عملية السلام الفلسطينية – الإسرائيلية إلى مجرد عملية بدون سلام، تراجعت علاقات واشنطن مع العالم العربي بالكامل. عندما بدأت اليقظة العربية في أوائل 2011، لم يكن لدى الولايات المتحدة ما تقدمه ولم يكن لديها إلا نفوذ قليل على الأحداث. وخلص فريمان إلى أن هناك حاجة إلى مراجعة شاملة للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط لإنقاذ الوجود الأميركي في المنطقة.
الدكتور وليام كواندت، الذي كان عضوا في مجلس الأمن القومي في عهد جيمي كارتر، وعد بأنه سيرسم صورة أكثر تفاؤلا من تلك التي قدمها تشاس فريمان؛ لكنه في النهاية لم يتمكن إلا من تقديم جملة توصيات لا فرصة في تبنيها من قبل الرئيس أوباما في فترته الرئاسية الثانية. كواندت أشار إلى مخطط المحافظين الجدد في منتصف التسعينيات من القرن الماضي بعنوان "الاستراحة النظيفة" على أنها المحاولة الأميركية الوحيدة لإيجاد استراتيجية كبرى للمنطقة، لكن هذه الخطة تمت كتابتها في الواقع لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتقترح خطة "الاستراحة النظيفة" ترك أي تحالف مع العالم العربي، ودمج السياستين الخارجيتين للولايات المتحدة وإسرائيل، والتخلي عن أي محاولة لحل الدولتين للكفاح الفلسطيني من خلال تمزيق اتفاقيات أوسلو، وتركيز الجهود على محاولات تغيير النظام في سورية، وليبيا، والعراق، وإيران.
الدكتور جون أنتوني، مؤسس ورئيس المجلس القومي للعلاقات الأميركية – العربية، انتقد الإدارات الأميركية المتعاقبة بسبب تشجيعها لحقوق الإنسان والديمقراطية في منطقة الخليج، وانتهاكها في نفس الوقت نفس الحقوق داخل أميركا. الدكتور أنتوني قال إن 25% من سجناء العالم من النساء والرجال مسجونون في الولايات المتحدة، مع أن الولايات المتحدة لا تضم أكثر من 5% من سكان العالم. كما أشار إلى دليل سياسة وزراة الدفاع الأميركية لعام 1992 الذي يدعو إلى الحفاظ على الهيمنة العسكرية لأطول فترة ممكنة، واستغلال فترة الهيمنة على العالم من أجل تغيير الأنظمة في الدول الأفريقية التي كانت تناصر الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
المتحدث الأخير كان الدكتور مروان المعشر، وكان وزير خارجية الأردن قبل الانتقال إلى البنك الدولي عام 2007. نصيحته لواشنطن كانت تقليص الأهداف والتوقعات وعدم بذل جهود لاختيار رابحين وخاسرين من بين القوى المتنافسة على السلطة في العالم العربي. كما حذر أيضا أن آخر فرصة للوصول إلى حل الدولتين برعاية أميركية تتلاشى بسرعة.
الطرح الصريح للواقع القاسي للسياسة الأميركية الفاشلة في الشرق الأوسط قاد إلى عدة استنتاجات هامة ومقلقة. أولا، الولايات المتحدة لا تفهم بشكل كاف وليس لديها نفوذ حقيقي على الأحداث المتتابعة في العالم العربي. عندما فشلت الولايات المتحدة في تبني مبادرة الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خاصة بعد أن تبنتها الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي؛ فإن واشنطن خسرت فرصة ذهبية لتصحيح أخطاء العقود السابقة. الآن استولت إسرائيل على مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية لدرجة أن حل الدولتين اختفى تقريبا.
السفير فريمان كرر ما يقوله خبراء كثيرون في شؤون الشرق الأوسط وناشطون في مجال السلام الذين يعتقدون الآن أن حل الدولة الواحدة هو الوحيد الذي يمكن أن يحقق العدالة للشعب الفلسطيني وبعض الأمل لاستمرار السكان اليهود في إسرائيل. في مواجهة حالة الدولة المنبوذة كنظام ابارتايد، ستضطر إسرائيل للتطور لتصبح ديمقراطية حقيقية. هذه الدولة العلمانية الواحدة سوف تعني نهاية التجربة الصهيونية وبداية فرصة جديدة لواشنطن لتترك علامة إيجابية مميزة على منطقة الشرق الأوسط، بعد عقود من الفشل.