• "كان يُهيأ لي في أحيان أن الحياة بذاتها ضرب من الاحتضار، حتى وإن تخطى عمر المرء ثمانين عاما. فكرة الموت تنشأ مع الإنسان، وتشب معه وتشيخ... كأن الحياة ليست إلا فعل اكتشاف دائم للموت، أليس هذا ما علمتنا إياه الكتب؟ كأن الإنسان لا يكتشف الحياة إلا في اللحظات التي يخامره فيها الموت، يكتشف في تلك اللحظات أنه عاش الموت طوال حياته، وأن الموت هو الذي علمه كيف يحيا الحياة". من كتابه "قلب مفتوح".. عبده وازن، الذي بالفعل فتح قلبا على مصراعيه وجعله يندلق بتمام عفويته، كأنه لم يحاول حتى أن يكفه عن الذهاب لأقصى ما أمكنه من خيالات الهاوية.. هاوية الموت.
• الكتاب الذي كان أشبه بالتداعي، يمثل حالة شفيفةً من محاولة الكتابة على حد الشفير، فالرجل الذي كادت تتلاشى حياته بلا مقدمات في جراحة قلب، وقف على حافة الموت تلك، ثم وقف ووقف، ثم عاد مرارا ليكتب، فأطلق لتأملاته أن تغوص لأعمق ما تصل إليه، في طريقها إلى أقاصي هذا القلب المفتوح، بدءا من هناك، من الطفولة، من الأم والأقارب، وصورة الأب التي جللت الحائط بعد موته.. من أيام الحداد، والقماش الذي كانوا يسجونه على شاشة التلفاز لستة أشهر، للصداقة والشقاوة، للفتاة السمراء، للصور واللوحات، للحيرة والأسئلة الكبرى، للقبور ورهبة الموت، للتوجس من الغيب والقصص، للملائكة الذين لا يجرح الشوك أقدامهم، للشعر والمجهول، للزمن الذي لم ينظر لساعته المعلقة على الجدار.. إلخ، لأشياء وفلسفات وتأمل يشبه بالفعل القفز من طرف حافة لطرف حافة أخرى، بفيض محموم بالتصوف ووجع التماهي في الوجود ونشوته!
• في ابتداء الكتاب، في الصفحات الأولى منه، يقول عبده؛ "الآن سأعتاد على أثر الجرح الذي في الصدر، سيصبح صديقي. أسميه ندبة من ضوء، إشارة، صرخة، صرخة الحياة نفسها. إنه خيط الصبح الذي يشق الليل، فاصلا بين أمس وغد. الآن أصبح للجسم ماض، أصبح للجسم ذاكرة، هي ذاكرة جروحه". وعلى مدار الكتاب يروح وازن... ثم يرجع للتصلب أمام فكرة الانتحار، أمام هيبة الاحتضار، ورهبة الموت، لكن هذه الكتابة وهذه العودة تحمل في داخلها تمعنا طويلا في الحياة، قال؛ "أكتب عن الانتحار، إذا أنا أحيا"، وأخرى؛ "يكتشف المحتضر أن الموت لم يكن سوى تلك البذرة المطمورة في داخله، البذرة التي أنبتت الحياة بظلالها الوارفة. لم أعد أذكر من الذي سمى الحياة: مكانا للموت".