يتحدث إليَّ ـ صاحبي ـ من مهجعه المؤقت القصير في عاصمة عربية كبرى عن ضجة أهل البلد وتململ نخبها الثقافية (الليبرالية) على وجه الخصوص من تنامي المد السعودي وخصوصاً في مسابير الأنساق الثقافية والاجتماعية والفكرية والدينية على وجه التحديد. وقد يأخذ مصطلح (المد السعودي) مفردات كثيرة مرادفة واصطلاحات مذهبية أو اشتقاقية مختلفة، وقد تتخذ هذه الاشتقاقات اللغوية أحياناً مفردات (منفرَّة) سبق لها أن خضعت لتوطئة تخويفية هائلة بفعل حديد الإعلام العولمي الساخن ضد هذه المفردات بالتحديد في فترات مختلفة وبالتحديد في كثافة العقد الأخير من هذا الزمن. ومنذ أن رمى فضيلة الشيخ الراحل محمد الغزالي (رحمه الله) بمصطلحه الشهير عن (الفقه البدوي) وكرة (التابوه) الثلجية تكبر باطراد في توصيف الانتشار السعودي وقد لاحظت بنفسي هذه التوطئة وهذا التخويف في جل العواصم والمجتمعات العربية التي ذهبتُ إليها في السنوات الأخيرة. كل هذا بزعمي لا يصف لب القضية. القضية الأصل أن حتمية الزمن تفرض على كل دائرة انتشار للسان لغوي (الخريطة العربية أنموذجاً) حتمية مرادفة تفرض سطوة الأقوى، وسيطرة القادر على تسويق أدواته الثقافية إلى هذه الخريطة. وهنا تكمن العلة العروبية المزمنة في رفض انتقال مركز القوة والسيطرة من مكان إلى آخر، ومن عاصمة للأخرى، ومن مجتمع إلى الذي يليه وهو تفكير ـ قبائلي ـ صرف لا يؤمن بالانتشار في مقابل الانحسار، ولا بنمو هذه القوة في مقابل اندثار القوة الفكرية والثقافية السابقة. ظل من الانطباعي السائد المألوف في الذهنية العربية الثقافية أن ـ السعودي ـ سيظل أيضاً، وبالانطباع، مجرد مستقبل ومستورد لأنماطه الثقافية وطرائقه التفكيرية من عواصم النخب العربية الشهيرة التي تبادلت هذه الأدوار في الهيمنة على تشكيل العقل العربي منذ ظهور صحيفة ـ الوقائع ـ كأول مطبوعة عربية ترسخ هذا الانطباع حين أتت جحافل كوادر التعليم بالتحديد من كل المجتمعات العربية أو جلها في بدايات التكوين لبذرة التربية والتعليم السعودي الحديث قبل أربعة عقود.
لب قصة الانتشار السعودي على خريطة اللسان العربي يكمن في اختلاف المعايير من موازين القوى الثقافية ما بين زمنين مختلفين، وعلة البدهية الذهنية العربية ليست إلا تفسير هذا الاختلاف بإحلال (الاختلال) وهنا تكمن علة الرفض للحقائق الجوهرية. الحقائق على أرض الواقع تبرهن على أن (السعودي) اليوم هو نصف الاستهلاك العربي من الكتاب. السعودي أيضاً هو الذراع الإعلامي الطويل وهو يسيطر على ما يقرب من 40% من حجم الأقنية الفضائية بحسب نشرة المؤسسة العربية للإرسال الفضائي فيما يستأثر ذات السوق السعودي بأكثر من 80% من توجهات العمل الإعلامي في أكثر من عشرين قناة عربية تستأثر بالنسبة الأعلى من المتابعة والمشاهدة. وحتى في داخل التسويق الثقافي (المتداخل) يستأثر (السعودي) بأعلى نسبة جذب للعمل في الداخل السعودي، وهو الأعلى انتشاراً وسفراً إلى المجتمعات العربية المختلفة بكل ما لهذا التداخل من تأثير على تسويق السعودي لأنماطه الحياتية المختلفة. وحتى في داخل النمو الثقافي والتربوي، لا يستطيع العربي أن يهضم الحقائق الحيثية: وبحسب نشرة المنظمة العربية للعلوم والتربية فإن (السعودي) اليوم يشكل ضعفي كل البعثات الدراسية الرسمية لمجمل بلدان الخريطة العربية بما يقرب من مئة ألف دارس سعودي في شتى بوصلة الأرض يضافون إلى ما يزيد عن نصف مليون دارس سبق لهم الإفادة من أفضل جامعات الدنيا ومعاملها في عقود سابقة. انتهى زمن المعلم العربي الذي كان يأتي مشكوراً في مهمات تشبه ـ محو الأمية ـ ولكن الذي لم ينته بعد هو الانطباع الذهني لنمطية السائد المألوف عن السعودي في العقلية العربية. كل هذا الانتشار مدعوم بسوق اقتصادي ضخم يشكل أكثر من نصف المجمل الإنتاجي العربي، وبالأرقام، وإذا لم تكن الامتدادات الثقافية هي إفراز السوق الاقتصادي فماذا تكن؟ هنا تبرز هذه الحقائق التي لن تمحوها مصطلحات الفزعة على شاكلة (الفقه البدوي) أو حمى (الوهابية) بوصم لا يصف ماهية المصطلح، أو حتى في المدرسة النقيض للسعودي أنه حتى، بليبراليته، يفتقد للشعور القومي. طبيعة المدارس المسيطرة لا تكرر بعضها البعض، وهذا السطر الأخير يكفي لتشخيص التوجس من انتشار المد السعودي.