صديقي الخبير له رأي مختلف في بعض التعيينات والمناقلات الإدارية التي تحدث بين فترة وأخرى في الدولة.. قال لي مرة حين كان البلد يعج بالحديث عن تغييرات منتظرة:
لو كان لي من الأمر شيء لوددت أن أعين النائب أو وكيل الوزارة في حال انتهاء فترة الوزير أو عدم التجديد له، فذلك أفضل من تعيين وزير من خارج السرب، لأن النائب أو المساعد أو الوكيل يكون قد أمضى سنوات في الوزارة.. يعرف أسرارها واحتياجاتها وتغيراتها، ويعرف الموظفين وقدراتهم، وبالتالي فإنه يواصل مسيرة من سبقه ويكمل البناء الذي تولاه الوزير السابق بما يقود لاستكمال حلقات البناء والنماء، على حين يحدث العكس مع أي قادم من خارج المنظومة، فقد تعودنا أن القادم الجديد يأتي مستنفرا لوضع بصمته الخاصة وإلغاء كل أثر تركه سلفه.
ويواصل صديقي كلامه: إذا جاء للمنشأة رئيس جديد من خارج السياق عمد من فوره لمحو عمل السابق، وقشع كل بلاطة بناها ونزع كل طوبة رصفها.. وتبقى مشكلة القادم الجديد هي مع الرئيس السابق وليست مع مشاكل المنشأة وهمومها ومتطلباتها ونواقصها.. وهذه مأساة العمل الفردي الذي ينطبع بشخصية المسؤول لا بشخصية المؤسسة الراسخة.
يأتي الوزير أو المسؤول الجديد وكأنه في مجيئه يخترع العجلة من جديد، ولهذا كلما ارتفع البناء تقوض.. وكلما بني تهدم، وكلما تراكم تناقص.. "كلما جاءت أمة لعنت أختها".
قلت لصديقي والله كلامك عين العقل.. طيب وش الحل؟
قال: أن نؤسس لأعمالنا ونجعلها تكاملية وفق منظومة تراكمية تزيد ولا تنقص، تتكئ على الهيكلة والنظام، وألا تكون عملية مرتبطة بالفرد وبشخص القائد الذي تتغير المنشأة بتغيره إما بالوفاة أو الإعفاء أو النقل.
لا بد من الثبات والرسوخ والتأسيس لعمل يصعد ويرتفع ويستمر في صعوده وارتفاعه، أما ما يحدث الآن فهو أن العمل بمجرد أن يصعد ويرتفع لا يلبث أن يتغير ويعود إلى المربع الأول ونقطة الصفر.
قلت لصديقي: الحقيقة أن كلامك أقنعني مع أني كنت من المؤمنين بالتجديد، لأنه ضرورة في حالة الجمود والتكلس، لكن استثمار خبرة الإنسان في قطاع معين ومعرفته بدهاليزه وأسراره وموظفيه واحتياجات القطاع ونقاط قوته ونقاط ضعفه؛ كل ذلك مدعاة لتوخي الحذر في حال التجديد للمنشأة.. فالاستمرار غالباً مدعاة لعدم تغير اتجاه المنشأة وعدم اهتزاز مسيرتها وضمان تنفيذ مخططاتها المرسومة. على العكس أحياناً حين يأتي الجديد ويتغير اتجاه البوصلة.
قال صديقي: هذه مسألة بديهية، وهي سبب الفارق في التطور والتخلف بين العالم الفردي وبين العالم الجمعي، بين العالم المزاجي والعالم المؤسسي المتقدم.