في مواسم الإجازات والأعياد يذهب كثير من الأسر إلى مناطق أخرى غير المناطق التي يقيمون فيها داخل المملكة بهدف الترويح عن النفس، والتغيير، فيذهب سكان المناطق الداخلية إلى المدن الساحلية بحثا عن الاستمتاع بالبحر، وبالأجواء الساحلية، بينما يذهب سكان المناطق المرتفعة والجبلية الباردة شتاء إلى مناطق تهامة الداخلية بحثا عن الدفء، وهناك من يسافر خارج البلاد في هذه الإجازات لبعض الدول السياحية القريبة. وعند مقارنة ما يتم صرفه في السكن في هذه الإجازات داخليا في بعض الأماكن بالمصروفات الخارجية فقد يكون الفرق يسيرا ولصالح من يقضي إجازته خارجيا إذا استبعدنا قيمة التذاكر، ويرجع السبب في ذلك إلى أن هناك استغلالا كبيرا من قبل المستثمرين في الوحدات السكنية في الداخل، ففي أوقات غير الإجازات تكون أسعار الوحدات السكنية معقولة ومناسبة، بل منخفضة، ولكنها في أوقات الإجازات تزيد بنسبة قد تصل من 150% - 200% أو أعلى من ذلك قياسا إلى سعرها في الأيام العادية، فبعض الوحدات السكنية في بعض المناطق الداخلية وصلت أسعارها إلى ألفي ريال في الليلة الواحدة في مناطق تهامة الداخلية مع عدم وجود عوامل جذب سياحية، أو متنزهات، أو أسواق كبيرة بها وسائل ترفيه لكافة أفراد الأسرة، ولكنها عبارة عن وحدات سكنية في مواقع بعيدة عن المدن الكبيرة وبها مسابح خاصة فقط، وهذه المسابح تفتقر لأدنى مقومات الصحة والسلامة، وقد تكون من العوامل الرئيسة لانتشار بعض الأمراض بشكل عام والأمراض الجلدية بين مرتاديها بشكل خاص؛ لأنه لا يتم تنظيفها، وتعقيمها بصفة دورية حتى وإن كان بها مرشحات، وقد تكون درجات الحرارة المعتدلة هي الدافع الوحيد للاستئجار في هذه الأماكن فقط.
وما يحدث في هذه المواسم ما هو إلا عملية استغلال واضحة لحاجة الباحثين عن سكن في هذه المناطق التي لا توجد بها أي من مقومات السياحة عدا درجة الحرارة المعتدلة، أو الدافئة، والمسبح الخاص غير الصحي. والأسعار مبالغ فيها ولا يمكن أن تكون مواكبة لمستوى النظافة والخدمة التي تقدم في هذه الوحدات السكنية، ومع الانتشار السريع لهذه الوحدات السكنية إلا أنها تتصف بالعشوائية في البناء والتنفيذ. وكل من لديه أرض في هذه المواقع بدأ في بناء وحدات سكنية، وعرضها للاستثمار دون دراسة جدوى، ودون الحصول على تراخيص، أو تصنيف من الجهات المسؤولة. وهنا لا أعتب بدرجة كبيرة على المستثمر صاحب الوحدات السكنية بقدر ما أعتب على المستأجر؛ فهو من أعطى المستثمر فرصة في رفع الأسعار والاستغلال من خلال الدفع بأي سعر يحدده صاحب الوحدات السكنية، ففي مثل هذه الحالات يجب التوقف عن الاستئجار في هذه المواقع وبهذه الأسعار المبالغ فيها.. فالخيارات متعددة وهنا لا بد من تغيير وجهة قضاء الإجازة إلى مكة المكرمة ـ مثلا ـ أو المدينة المنورة، أو عروس البحر الأحمر، أو أي مدينة أخرى ساحلية، وقد تكون أسعار الوحدات السكنية في هذه المدن أقل منها في المناطق التهامية غير المطلة على البحر.. والمشكلة هنا أن كثيرا منا يرى أن إيجار الوحدات السكنية في مكة المكرمة أو المدينة المنورة عال، ويتضجر من ذلك، وقد لا يدفع إيجار أي وحدة سكنية يراه مرتفعا، ويستكثره، ولا يمانع أن يدفع أسعارا مرتفعة في الوحدات السكنية في المناطق الداخلية، وهنا أرى أن السكن في بعض المدن الكبرى أولى وإن كانت الأسعار مرتفعة، فليس هناك وجه مقارنة بين تلك المدن والمناطق الداخلية من حيث مقومات التنمية والترفيه.
كما أن الهيئة العليا للسياحة والآثار مسؤولة بالدرجة الأولى عن الإشراف على هذه الوحدات، ومنح تراخيص لها وفق معايير وتصنيفات معينة، ومتابعتها، وأن يكون لها دور محوري وأساسي في تقنين أسعارها بعيدا عن الاستغلال الموسمي، بحيث تكون هناك زيادة بنسبة معينة في أسعار هذه الوحدات في المواسم المختلفة، ولا يترك القرار لأصحاب هذه الوحدات السكنية الذين يبررون لجشعهم بأن عمل هذه الوحدات موسمي فقط، وهو مبرر غير مقبول، وفي حالة عدم التدخل في تحديد الأسعار من قبل الجهات المعنية ـ وبالأخص الهيئة ـ فإن ذلك سيكون عامل طرد قويا من السياحة الداخلية، والاستثمار الداخلي، كما قد تشجع الأسعار المبالغ فيها كثيرا من الأفراد على السفر إلى الخارج في الإجازات والعطل الرسمية عندما تكون المصروفات في مجال السكن متقاربة أو أقل في الخارج عنها في الداخل؛ لأنه قد يكون أوفر لهم، ويتمتعون بسياحة حقيقية، وهذا يخالف توجه الهيئة العليا للسياحة والآثار وما تهدف إليه، حيث إنها تعمل جاهدة وبشكل مكثف على تشجيع السياحة الداخلية، وتبذل جهودا كبيرة في هذا المجال، ومع ذلك فعملية تحديد الأسعار ضرورية كي لا نفقد كثيرا من سياح الداخل، وتتأثر السياحة الداخلية بشكل كبير.. وللمعلومية فإن هناك مواسم أخرى للاستغلال، وفي مجالات متعددة، وقد نكون نحن من يشجع حدوث عمليات الاستغلال، ونحن لا نعلم!!