تطرح في دهاليز السياسة وأروقة مراكز الأبحاث الأمريكية ـ هذه الأيام ـ فكرة تقسيم أفغانستان إلى شمال وغرب تحكمهما الأقليات وجنوب تسيطر عليه الأكثرية البشتونية (أي طالبان ومن يلتف حولها)، وخرج المشروع من الكواليس إلى العلن بعد أن طرحه روبرت بلاكويل السفير الأمريكي السابق في الهند وتبناه رئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك ومسؤول الأمن القومي السابق ريتشارد هاس الذي طالب بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان بسبب "استحالة تحقيق أي انتصار".

ويأتي المشروع كأحد تجليات فشل سياسة "تكسير العظام" للقضاء على طالبان وإسكات الأصوات المقاومة وتدمير البنية التحتية لما كان يعرف بأحزاب "المجاهدين" فترة التحالف ضد الاتحاد السوفييتي بقيادة حكمتيار ومجموعة حقاني.. كما يعكس الاستهانة بمشاعر الشعوب وتجاهل تاريخها والتغاضي عن مستقبلها ومصيرها ويعبر مدى الاستهتار بمصالح الحلفاء وعدم تقدير مسؤولياتهم الوطنية أمام شعوبهم وإضعافهم أمام خصومهم حين يظهرون متحالفين ضد إرادة الاغلبية.. فلم يقدر واضعو الفكرة حجم الأضرار التي ستلحق بحلفائهم في أفغانستان ولا عمق الجراح المصاحبة لهذا النوع من المشاريع وتأثيرها على تعاطف القوى الفاعلة على الساحة السياسية . ثم ما نصيب هذا النوع من المشاريع في النجاح؟.

الدارس لتاريخ أفغانستان ـ على مر عصورها ـ يلاحظ وقوف كل طوائفها وأعراقها صفاً متماسكا ضد كل الغزاة، وكانت جبالها وسهولها وصحاريها مقابر لطموح الإمبراطوريات والقوى الكبرى طوال تاريخه .. فهل يتوقع صاحب مشروع التقسيم أن يرتاح من "وجع الضرس" الذي يقلق منامه ويحلم بتقسيم هذا البلد بين جنوب بشتوني يطلق فيه يد طالبان وشمال "يحاصر" فيه أقليات وعرقيات وطوائف يحول بينها وبين طموحاتها المشروعة لرؤية وطن حر مستقل موحد بإرادة أهله، وبجهودهم؟.. من المظنون ـ في نظر خبراء غربيين ـ أن "حلم" التقسيم لن يتجاوز قاعات المحاضرات وحلقات النقاش ومعاهد الأبحاث بسبب المعارضة المتوقعة من أهل البلاد، فلا يتوقع أن تتورط أي قوة أفغانية لها وزنها واحترامها في مساندته.

وطرح مثل هذا المشروع يثير سؤالا محوريا هو: لماذا يلوح خبراء السياسة الأمريكية ومراكز أبحاثها بمشاريع "التقسيم" في الوقت الذي تحاول فيه الإدارة تحسين صورتها وتقليل حجم الكراهية بين الشعوب؟. ولماذا تثار حمية الناس وتستفز مشاعرهم في الوقت الذي يفترض فيه التقرب من آمالهم وأمانيهم؟ هل السبب يعود إلى نقص الخبرة في التعامل مع الشعوب وعدم فهم حضاراتهم وقيمهم أم أن القوة تطمس على بصيرة القوي حتى لم يعد يضع اعتبارا لهذا الجانب من عناصر القوة؟ .

الذاكرة تستدعي "مكر" القوى المسيطرة في الماضي ـ بريطانيا وفرنسا ـ وكيف كانت تطرح مشاريع التقسيم بسرية تامة وتلبسها لبوسا يعمي على الناس كالمظاهر الثقافية أوحق تقرير المصير أو حماية الأقليات الدينية،. فلماذا "يجاهر" الأمريكي بتقسيم الأوطان؟ فهل لأنه ـ في وعيه الباطن ـ لا يؤمن بالتقسيم، وهو الذي خاض حرباً أهلية من أجل المحافظة على وحدة بلاده، وأن تلويحه بالتقسيم هو تهديد مبطن ضمن أسلحة الدعاية والحرب النفسية لتليين صلابة تيار المقاومة في البلدان التي تورط فيها بالقوة الخشنة؟. أم أن فيه إشارة ضعف ورسالة تهديد للحلفاء ودعوة تفاهم للأعداء؟ وأيا يكن هدف "المشروع" ـ التهديد أو التخويف ـ فإنه يكشف "غباءة" القوة وغطرستها وضرر تجاهلها لمشاعر المجتمعات مما يزيد من موجة الكراهية التي تعاظمت أيام حلم المحافظين الجدد. وظن الكثيرون أن الديمقراطيين، بقيادة أوباما، سيعيدون وضع الإطار وتلمع الصورة بداخله، لكن يبدو أن التشوهات عميقة وأن جنون المحافظين وهوسهم لم تتخلص منه السياسة الأمريكية بعد. إن سياسة "تفريغ" الشعوب من مخزونها الثقافي وإرثها الحضاري وإحلال ثقافة الاستهلاك وإشباع الشهوات لا تبقي لأصحابها مودة في وعي المجتمعات فهي تشعرهم بالقهر والرغبة في تذويب هوياتهم.. واستراتيجية "تفتيت الأوطان" أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الكثيرين يكرهون الصورة الأمريكية الغالبة في علاقاتها مع الشعوب رغم أن بين هؤلاء الكثيرين أناسا يقدرون النموذج الأمريكي في التقدم والعلم وحقوق الإنسان والحريات العامة.

يرى بعض المراقبين أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت لديها فرصة ذهبية لاستعادة ثقة شعوب العالم الثالث بعد أن شوهتها الأطماع والرغبة في الهيمنة.. هذه الفرصة كانت صبيحة 11 سبتمبر 2001 حين تعرضت لضرب رموزها الاقتصادية والسياسية فحظيت بتعاطف العالم حين رأى الدولة، التي تمثل رمز العلم والتقدم الصناعي والديمقراطية، تتعرض لهجوم من فئة تكره الحياة وتهاجم التقدم وتعادي التطور.. كان هذا الحدث الصادم فرصة تعيد فيها سياسة الولايات المتحدة صورتها "الجميلة" حين كانت نصيرة الحريات ومساندة التقدم ورافضة قهر الشعوب.. لكن يبدو أن "الجهاز العصبي" لصانع القرار، في ذلك اليوم، لم يتمكن من امتصاص الصدمة بالقدر الذي يستثمرها، فبدت الإدارة، تحت هيمنة اليمين المتطرف وكأنها كانت تنتظر هذه الفرصة لترسم "العالم" بالصورة التي تريد والملامح التي تنسجم معها اعتقاداً منها أن هذا "يفرض السلام والرخاء والديمقراطية" المحققة لطموحاتها.. لكن النظرة الموضوعية على خارطة ما يعرف بالعالم الإسلامي اليوم تبرهن على فشل سياسة العصا الغليظة التي تبناها المحافظون الجدد فلا العراق تحول إلى واحة استقرار و"ديمقراطية" كما تصور البعض وحلم الساذجون، ولا أفغانستان تخلصت من أوكار "الإرهاب" وما يزال الصومال ينزف تنهكه الحروب الأهلية ويتعرض السودان لتقطيع الأوصال في "مشرحة" حماية حقوق الإنسان وتواجه الدولة النووية باكستان التهديد بالتفكك وإنهاك القوى، وفوق كل ذلك وقبله القضية المزمنة فلسطين وما يرتبط بها من قضايا في دول الجوار ما تزال مصدر "القلق الكبير" في هذا الجزء من العالم.