قد لا يخلو فرع أسرة جنوبية من غصن منها تشكلت شخصيته، وانبنت صبغته الاجتماعية في مكة المكرمة وجدة والطائف، أو ما يسميه أجدادنا آنذاك" الشام" حين يودعون أبناءهم الباحثين عن فرص للعمل والكسب الوظيفي وعيونهم ترقب الأفق، حتى إذا سئلوا عنهم قالوا" سافروا الشام".

كان الفتية يرمقون بأحلامهم تلك اللحظات التي تتهيأ ليجدوا في أنفسهم الجرأة للخروج من أحضان قراهم ومرابعهم التي ألفوها وصارت كيانا يلفهم ويحتضن نزقهم وحميّتهم وعشقهم الناصع، كيف يمكن ليافع في الخامسة عشرة أو دونها أن يلقي بنفسه في غياهب حياة لا يعرفها، ولم يرها قط سوى ما أمكنه من فهم جمل كان يرددها العائدون عن مكة وأهل مكة وحارات مكة والحرم والأسواق؟

صنع حلمه وشكّله، وزادت قناعته وعزمه بعد ما أهداه ابن عمه ثوبا جاء به من الشام، ورأى مجلس عمه وقد انبسطت فيه "زولية" قشيبة، فيما تشمخ على رف قريب مجموعة من الدلال الصفر، و"البرادق" الزجاجية، أما ابن عمه فبدا أنيقا مهذب اللحية نظيف الثياب ينتعل حذاء لامعا، وفي إصبع يمينه خاتم من عقيق.. العائد لم يعد حديثه مرتبطا بالمزارع وسقياها، أو المواشي و"رعياها"، لقد كان كلامه موشى ببعض كلمات "حجازية" تتسع لها أحداق الطيبين في قريته: "إشبكم" يسألهم عن قناع الدهشة الذي اعتلى وجوههم، ولا جواب، فيسترسل: " كنا نشتري أقّة اللحم بريالين" و"برتكان أبو سرّة بنص" والأهل والأحباب من حوله يتمتمون بتعاويذ تكظم غيظهم مما يسمعون.

الجنوبيون الذين عملوا في "حجازنا الأصيل" لامستهم يد الثقافة والتعليم، إذ كان الحجاز وما يزال – في رأيي- منارة ثقافية واجتماعية مفتوحة النوافذ ومشرعة الأبواب لكل قادم. لقد استطاع الحجازيون احتواء القادمين من الجبال الجنوبية والسهول فكانوا الأهل والعشيرة والترياق من أوجاع الفراق، فعمل منهم من عمل في السلك العسكري وهم كثرة، حيث كانت مواسم الحج جامعة مهارية في التعاطي مع الناس من أصقاع الأرض سلوكا وكسبا حضاريا، ومنهم من عمل في التجارة وعاد بخير وفير ينعم به أحفاده اليوم، ومنهم من أخذت بيده أطياف الصحافة والكتابة والإبداع فأصبح علما ورائدا ملهما.

أبي – على سبيل المثال – أحد هؤلاء الجنوبيين المكاويّة، والذي ما تزال ذاكرته تحفظ مشاهد من تلك الغربة المحببة، هذا الثمانيني القروي المتيم بـ"نادي الوحدة" غادر مكة منذ أكثر من عقدين من الزمان فيما لم يغادر لسانه كثير من مفردات الحارة هناك، منها ما هو حميمي، ومنها ما هو "خارج" حادّ يرمينا به ساعة غضب.