الدين والوطن والعروبة، إذا فحصنا من يشعرون بعقدة الآخر الأفضل منهم على هذه المستويات، فسنجد من يعتبرنا مجتمعا ضالا فاسدا دينيا، ويبحث عن نماذج يراها أفضل، ويستمر في استهلاك المعلومة حتى يشتهر بها، والوطن في رأيهم موصوم بكل الرزايا والعيوب، إذا أراد من يود التحدث عن الفساد توجيه سهامه فهو يعرف طريقه لسب الوطن.. عروبتنا أصبحت مجالا للتراشق واستدعاء نماذج يرانا البعض صغاراً أمامها ويجب أن نتعلم منها!
باتت عادة سيئة علنية تمارس يوميا في "تويتر" مثلا، هناك تبار في التحدث بأسلوب يختزل مفردات الوطن الأرض والسماء والإرث التاريخي والثقافي والإنسان في الماضي والحاضر وحتى المستقبل، وليس الشخص الفاسد الذي نود اجتثاث فساده، أو المقصر الذي نرجو صلاحه.
لماذا كل حديث عن الوطن يؤدي إلى الحديث عن الفاسدين والمهملين ومن يسرقون مقدراته؟ أليست هذه عاهة مستديمة تخطت منطق العقدة، وباستخدام أداة التفاضل بيننا وبين دول في عقولهم وأذهانهم وهلوساتهم؟ لا توجد دولة على وجه الأرض بدون نسب فساد، ولا أحد يتحدث عن وطنه إذا تحدث عن الفساد سوى الذين ابتلاهم الله بضياع الهوية وفقد الذاكرة الوطنية.
لست ضد المقارنة الموضوعية لإبراز أمر من الأمور، ولا ضد الحديث عما لدى الآخر أو استلهام تجاربه الناجحة.. لكن تسطيح كل ما لدينا واحتقاره وإشعال عقدة "الآخر الأفضل" وعلى جميع المستويات ويوميا في وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت، من دلالات الفراغ القاتل والسطحية والترف والانحطاط الأخلاقي.
بدلا من التفرغ لشتم الوطن والحديث عن الفساد، يلوح السؤال حول الذي منع هؤلاء الصالحين المستقيمين (الافتراضيين) من تقديم يد العون على طريقتهم، بحيث يردمون فجوة وجود الفاسد بدلا من أن يقدموا ذواتهم في قالب ليس بعيدا عن ناهب الثروة.. فهو توقع أن الله ستره، بالتالي سيستمر بالنهب، وهم يتوقعون أن المعرفات الوهمية والمستعارة تعني استمراء النقد الهدام وتعزيز عقدة التفاضل.
يسرقون الوقت وأعمارهم ورغد العيش المتوفر وبسلبية لتشويه صورة الوطن.. لا أتحدث عن المرتزقة ومن يتكسبون ومصدر دخلهم من التخصص في الإساءة لبلادنا، أتحدث عن المشوهين للصورة مجاناً بالإنابة والوكالة.
سمعة الوطن ثروة صنعتها جهود الصالحين الذين يبحثون عن أمثالهم، على حسب ما نفهم من كثافة النقد اليومي، حتى يتقدم الوطن الذي يريدونه للأفضل، لماذا ينتظرون النموذج؟ وماذا لو تمثلوا بمن يبحثون عنه وأسهموا في البناء وإيقاد شمعة بدلا من لعن الظلام؟