قبل سنوات كنا نحن الصيادلة الشباب، نتحدث عن التغيرات القادمة في مجال الأدوية المكتشفة، وأنها أضحت تنحو نحو الأمراض ذات العلاقة بالعالم الغربي فقط، مثل أدوية "السرطان" و"الزهايمر" و"الإيدز"، ومؤخرا نحو الأمراض النادرة فقط، وأن أسعار الأدوية بالتالي نحو مزيد من الارتفاع، عطفا على تعّقد سلسلة اكتشاف الدواء، ووصوله في النهاية إلى المريض، دون إغفال صعوبة وطول مدة الحصول على موافقة الهيئات الدوائية الرقابية، لكننا لم نكن نعتقد بوصولنا إلى مرحلة الدواء "المليوني" بهذه السرعة!.
في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، أعلنت وكالة الأدوية الأوروبية عن موافقتها النهائية على تسجيل الدواء الهولندي الجديد: "غلايبرا Glybera"، والذي تترواح تكلفته للمريض الواحد مليونا وستمئة ألف دولار أميركي "حوالي ستة ملايين ريال سعودي"!، إذ من المتوقع أن يبدأ استخدامه سريريا منتصف العام 2013. طبعا هذا الدواء المثير للاهتمام يعالج مرضا وراثيا نادرا واحدا وهو: "نقص إنزيم لايبوبروتين لايبيبز Lipoprotein lipase deficiency "، أو ما يطلق عليه اختصارا LPLD، هذا المرض قد يؤدي بالمصاب به إلى التهاب البنكرياس ثم الوفاة، كما أنه يصيب فردا واحدا من كل مئة ألف شخص فقط، ويعمل الدواء بواسطة إصلاح العطب الموجود في الحمض النووي الرايبوزي منقوص الأكسجين DNA.
طرح هذا الدواء بمثل هذا السعر المرتفع، يعد قمة جبل الجليد مما سوف يصل تباعا إلى الأسواق الصيدلية خلال السنوات القليلة القادمة، إذ من السخرية ملاحظة أن دواء "كاليوديكو kalydeco"، والخاص بعلاج نوعٍ وراثي نادر من التليف الكيسي للرئة، أضحى رخيصا مقارنة بدواء "غلايبرا"، رغم أنه يكلف نحو مليون ريال سعودي للمريض الواحد خلال العام!، وقد كانت الشركة المصنعة أعلنت مؤخرا تخفيضا للمرضى الذين لا يحملون تأمينا صحيا يصل إلى نصف تكلفة الدواء، بعد مطالبات عدة لمنظمات غير حكومية.
لقد تغيّرت مؤخرا اتجاهات مراكز الأبحاث الدوائية نحو اكتشاف المركبات الفعالة، فشركات الأدوية الكبرى ـ وهي الممول الأول للأبحاث الدوائية ـ تفتش حاليا عن أدوية مبتكرة للأمراض النادرة، مما يمنحها تركيزا أفضل، وبعدا عن المنافسة الواسعة والشرسة في سوق الأدوية التقليدية، والتي تشهد صراعا حادا بين شركات الأدوية "الجنيسة Generic" والقادمة من الصين والهند. من جهة أخرى يشير المعهد الأوروبي للأمراض النادرة إلى وجود ما بين خمسة وسبعة آلاف مرض نادر حول العالم، وأنها تصيب ما يصل إلى 6% من سكان المعمورة، أي ما يقارب 420 مليون إنسان!، ولعل المتتبع للنتائج المالية لشركات الأدوية، يجد أن الشركات التي تتحصل على موافقة الهيئات الرقابية على ما يطلق عليه بالأدوية "اليتيمة"Orphan Drug تحقق النتائج المالية الأكبر، كما تحقق عائدا على الاستثمار ROI أعلى بكثير من بعض الشركات الكبرى، والتي تحتوي قائمة أدويتها على العشرات من الأدوية والمستحضرات الصيدلية!، خاصة وأن سوق مبيعات تلكم الأدوية يناهز عتبة الخمسين مليار دولار أميركي. ومن المرشح أن يتوسع هذا السوق مع توقع الخبراء دخول الأجيال الجديدة لأدوية السرطان ميدان العلاج بواسطة "الجينات"، فضلا عن أن الهيئات الرقابية الدوائية تمنح الأدوية "اليتمية" مسارا أسهل وأسرع للتسجيل، نظرا لكونها مخصصة لفئات محدودة جدا من الأفراد ذوي الحالات الخاصة، ومن الصعب تطبيق حزمة الشروط المتشددة عليها، كل هذا وغيره أدى في نهاية الأمر إلى أن تتجاوز نسبة أدوية الأمراض النادرة، ربعَ مجمل الأدوية المبتكرة والمسجلة العام الماضي في هيئة الدواء والغذاء الأميركية. وللأسف لا توجد بين الشركات أو مراكز الأبحاث المتنافسة ولا شركة أو مركز أبحاث عربي واحد!.
المثير في الأمر، أنه رغم هذه الأسعار المرتفعة جدا، إلا أن كثيرا من الهيئات الرقابية الحكومية، ومن ورائها شركات التأمين الطبي تتقبلها بكل رحابة صدر، ذلك أن الاستخدام السابق لمجموعة غير فعالة من الأدوية، إضافة إلى الرعاية الطبية المكلفة لمرضى الأمراض النادرة، وما يتبعها من عمليات جراحية ورعاية مكثفة، فضلاً عن استخدام مثل هذه الأدوية الجديدة، يتم لمرة واحدة لكل مريض واحد، مما يجعل دفع تلك المبالغ عملية أخلاقية واقتصادية مبررة، وهو الدور الذي يقوم به ـ بكل اقتدار ـ صيادلة يتخصصون في علم "اقتصاديات الدواء Pharmacoeconomics"، إذ يقومون بدراسة ومقارنة تكلفة استخدام دواء واحد أو مجموعة أدوية، والتوصية باتخاذ قرار الاستخدام بناء على أدلة وبراهين علمية معتبرة.
ولكن أين نحن من كل هذا؟ أين علماء الصيدلة السعوديون من أمراضنا الوراثية؟، أين مصانع الأدوية السعودية من احتياجاتنا المحلية؟، أين نحن من إصدار خريطة المورّثات السعودية Saudi Gene Map؟ لتسهم في إنارة درب الباحثين من صيادلة وكيميائين ومختصين، فنحن إن لم نعمل على إيجاد أدوية للأمراض الوراثية في بلادنا، فلن يعمل عليها أحد، نظرا لأن التكلفة عالية جدا، والعائد على الاستثمار عليها غير مضمون النتائج، لذا فإن تضافر جهود مراكز البحوث الوطنية، مع مصانع الأدوية المحلية، يصبح ضرورة لأمننا الدوائي، وطريقا ممهدا نحو دخولنا سوق الدواء العالمي من أوسع أبوابه.