نشرت مصلحة الإحصاءات العامة الشهر الماضي إحصاءات العمل لعام 2012، وقاد نشرها إلى نقاشات محتدة حول "الصورة الحقيقية" لسوق العمل، خاصة حول أعداد ونسب العاطلين، وشكك البعض في صحتها واختلف الآخرون على دلالاتها.. فما هي الحقيقة؟

وفقاً لبيانات المصلحة، تجاوز معدل البطالة بين المواطنين (12 بالمئة) في النصف الثاني من عام 2012، مقارنة بـ (10.5 بالمئة) في عام 2009، وارتفع عدد العاطلين عن العمل من (450,000) إلى (603,000)، أي بزيادة (34 بالمئة).

وقد توصل معظم المعلقين إلى استنتاجات صحيحة في تحليل البيانات الجديدة، التي أثارت القلق بسبب ارتفاع عدد العاطلين ومعدل البطالة، والتساؤل حول فاعلية مبادرات وبرامج السعودة، خاصة أن ارتفاع البطالة حدث خلال فترة نمو اقتصادي غير مسبوق في المملكة.

ومع أن أرقام العاطلين ومعدل البطالة الجديدة عالية بذاتها، إلا أن البعض شكك في صحتها ورأى أنها لا تعكس واقع البطالة السعودية، لأن وزارة العمل كانت قد قدرت عدد العاطلين عن العمل بنحو مليونين، اعتماداً على أعداد المتقدمين لبرنامج (حافز)، وهو ما يساوي ثلاثة أضعاف تقديرات مصلحة الإحصاءات.

وتلخصت التعليقات الرسمية بالدفاع عن دقة الأرقام الجديدة باعتبارها صادرة من مصلحة الإحصاءات العامة، صاحبة الصلاحية في نشر الإحصاءات. وسعت إلى التقليل من أهمية ارتفاع أعداد العاطلين ومعدل البطالة بالإشارة إلى أن معدلات البطالة الإجمالية قد ارتفعت بسبب ارتفاع بطالة النساء، أما بالنسبة للرجال فلم ترتفع معدلات البطالة، بل سجلت تحسناَ طفيفاَ.

ولا تختلف حدة الحوار لدينا حول هذا الموضوع كثيراً عنها في معظم الدول التي تواجه مشكلة البطالة، إذ يحتد النقاش بعد نشر كل رقم جديد. فالتقديرات الرسمية عادة ما تكون متحفظة وحذرة، فلا يدخل في إحصاء العاطلين إلا من يبحثون عن العمل "بصفة جادة"، خلال الشهر أو الأسبوع السابق لجمع البيانات. وهذا القيد يستبعد من أرقام البطالة كل من توقف، مؤقتاً أو بصفة دائمة، عن البحث "الجاد" عن العمل، لأي سبب من الأسباب، خلال الفترة القصيرة السابقة لجمع البيانات، ولذلك فالمفهوم العادي للبطالة يختلف عن التعريف الذي تستخدمه الأجهزة الإحصائية، الذي يعتمد على عوامل كثيرة، نفسية واجتماعية وسياسية، ولهذا السبب يلجأ الاقتصاديون إلى مؤشرات أكثر موضوعية من معدل البطالة. ولعل أكثرها دقة "معدل التوظيف"، وهو يحسب عدد المشتغلين فعلياً في القطاعات الحكومية والخاصة كنسبة من إجمالي عدد السكان ممن هم في سن العمل.

ونظراَ إلى أن مصلحة الإحصاءات لم تحسب "معدلات التوظيف"، فلننظر كيف نحسبها من واقع البيانات التي نشرتها الشهر الماضي وفي عام 2009، لنصل إلى صورة واقعية لسوق العمل.

ففي عام 2009، وفقاً لبيانات المصلحة، بلغ عدد المشتغلين السعوديين في القطاعات الحكومية والأهلية، نحو (3.8) ملايين شخص. ووفقاَ لذلك، بلغ معدل التوظيف نحو (32 بالمئة). وفي عام 2012، بلغ عدد المشتغلين (4.4) ملايين، أي إن معدل التوظيف (34 بالمئة).

وكما ترى، فثمة زيادة في عدد المشتغلين وارتفاع طفيف في معدل التوظيف، ولكن المعدل ما زال شديد الانخفاض بالمقاييس الدولية. وللمقارنة، فإن منظمة الدول الصناعية المعروفة بـ "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" تقدر معدل التوظيف في دولها بنحو (65 بالمئة) في المتوسط في عام 2011، على الرغم من الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى انخفاض معدلات التوظيف في معظم دول العالم. وكان أعلى معدل توظيف بين أعضاء المنظمة في سويسرا وإيسلندا (79 بالمئة)، وأدنى مستوى في تركيا (48 بالمئة). أما في الولايات المتحدة فقد بلغ المعدل (67 بالمئة) وفي المملكة المتحدة (70 بالمئة) خلال العام نفسه.

وباعتبار المملكة العربية السعودية لم تتأثر بالركود الاقتصادي العالمي، بل حققت نمواً اقتصادياً عالياً، فإن معدل التوظيف الذي حققته (34 بالمئة)، أي نحو نصف معدل الدول الصناعية.

ومن الواضح كذلك أن أحد أهم أسباب ارتفاع معدل البطالة الكلي هو الزيادة المتسارعة في البطالة النسائية، حيث ارتفع معدل البطالة النسائية من (28%) في 2009 إلى (36%) في 2012، مقارنة بالمعدل الكلي للبطالة الذي ارتفع من (10.5 بالمئة) إلى (12 بالمئة) فقط، خلال الفترة نفسها.

ماذا عن "معدلات التوظيف" للنساء؟

تُظهر البيانات تحسناً طفيفاً في فرص العمل للنساء، فارتفع عدد المشتغلات السعودية في القطاعات الحكومية والأهلية من (505,000) في 2009، إلى (647,000) في 2012، وارتفع معدل توظيفهن وفقاً لذلك من (8.5 بالمئة) إلى (10 بالمئة)، ولكن هذا المعدل ما زال منخفضاً بالمعايير الدولية أقل من خُمس معدل الدول الصناعية. ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مثلاَ، بلغ معدل توظيف المرأة نسبة (57 بالمئة) في عام 2011، مسجلاً أعلى نسبة في إيسلندا (73 بالمئة)، وأدناها في تركيا (28 بالمئة).

ومن غير الواضح إلى أين يمكن أن تصل معدلات التوظيف في المملكة لو أزيلت بعض العقبات أمام توظيف النساء، ولكن من الواضح أن هناك مئات الآلاف من النساء يبحثن عن العمل ولم يتمكنّ من الحصول عليه. وتقدر مصلحة الإحصاءات أعداد العاطلات بنحو (359) ألفاَ، وتشير بيانات (حافز) إلى أنها تفوق المليون، ولكن معدل توظيف النساء الذي لم يتجاوز (10 بالمئة) يُشير إلى وجود ملايين أخرى من النساء السعوديات في سن العمل، مؤهلات وقادرات على العمل، لا يعملن، ولذلك فإن أحد أهم تحديات العقد القادم هو توفير وظائف مناسبة للمرأة السعودية، التي أصبحت عالية التأهيل والكفاءة، لإعطائها الفرصة للمشاركة في تنمية بلادها، وتحقيق تنمية متوازنة يستفيد فيها الوطن من المعرفة التي تكتسبها ملايين الخريجات السعوديات اللاتي تتزايد أعدادهن كل عام.