كنت إلى وقت قريب أتعجب من سفر بعض الأصدقاء الدائم بين مناطق المملكة عن طريق الخطوط السعودية دون سبب ملزم في كثير من الأحيان. مصدر عجبي ليس في عدم قناعتي بأهمية التعرف على كل ركن في وطننا، فهذا واجب لمن تهيأ له ذلك. ولكن لعدم سماعي أي تذمر منهم ـ وهم المتذمرون من كل شيء ـ من أسعار التذاكر التي كنت أعتقد أنهم يقتطعونها من قوت أولادهم..! لكن الصدفة قادتني لاكتشاف السر، وذلك عندما كان أحدهم منهمكا في جرد موجوداته من التذاكر القديمة التي مضى على بعضها عدة سنوات، فسألته بذهول: كيف حصلت على هذا الكم من التذاكر؟ نظر إليّ بدهشة ثم استدرك: "أووه نسيت إنك ما أنت موظف حكومي"!
قلت له: والمعنى؟ فرد: يا صديقي إذا كنت موظفا حكوميا من المرتبة السابعة مثلا وما فوقها أو ما يعادل ذلك وظيفيا، وكنت من المرضي عنهم في إدارتك، فإنك قد تكون صاحب رصيد وافر من التذاكر الحكومية التي تصرف لك، وقد يصرف لك معها انتداب إلى جدة أو الرياض أو الشرقية أو غيرها (حسب التساهيل) وأنت لم تغادر مكتبك الوثير، فما انتدبت له قد تنجزه بالهاتف أو حتى بالفاكس، وإذا أتعبت نفسك قليلا، فأبحث عن أي صديق أو زميل أو صديق لزميلك في الوزارة التي تتبع لها، فسينهي لك المعاملة التي أخذت مقابلها تذاكر مجانية وانتدابا ربما لعدة أيام، وأنت منتدب معزز مكرم عند "أم العيال". والنصيحة التي تضعها "حلقة في ودانك" هي الاحتفاظ بهذه التذاكر وتجديدها عند الحاجة، فهي أهم من "القرش الأسود" الذي تأخذه من بند الانتدابات، لأن "أم العيال" تعرف السر ـ بما أنك كنت منتدبا عندها ـ وستأخذ من جيبك "القرش الأبيض والأسود" قبل أن تتمتع برؤيتهما في حسابك العامر. أما تذاكر الانتدابات التي لم تسافر لها طوال العام، فستكتشف أنها الكنز الحقيقي الذي تراكم في حسابك، على مدى 12 شهرا، فقد يمكنك من السفر عدة مرات على حساب الحكومة لأي جهة داخلية ترغب .(انتهى كلام صديقي).
المثير أن هؤلاء لا يشعرون بأي ذنب تجاه ما فعلوا تجاه وطنهم، بل تجدهم يكابرون بأن "الحكومة غنية" ولن تتأثر ميزانيتها بتذاكر طيران!
أما السؤال الأهم فهو: أليست هناك آلية حقيقية للتأكد من أن الموظف ذهب ـ مجرد ذهاب ـ إلى المكان الذي انتدب له.