تعرضت المملكة الأسبوع الماضي لكارثة طبيعية جديدة ذهبت ضحيتها هذه المرة منطقة تبوك. نحن لسنا بمعزل عن تغيرات الطبيعة التي تجتاح العالم بكافة الأشكال والأنواع، فلقد تزامنت أمطار تبوك مع فيضان أستراليا مع حفظ الألقاب والأحجام للكارثتين، فتبوك غرقت بـ40 ملم من الأمطار ووكوينزلاند غرقت بـ600 ملم من الأمطار، ومع ذلك تطابقت بعض الصور من شمال المملكة وشمال أستراليا.
اتجهت أصابع الاتهام كالعادة مباشرة للبنية التحتية وفساد المشاريع وغضب البعض على الطرق التي تقطعت بالمواطنين وأرعد البعض بسبب انهيار بعض المساكن وتعالت الأصوات بمحاسبة الشركات المنفذة لمشاريع الصرف الصحي، وفي هذه المطالب، مع شرعيتها، مفارقة عجيبة وانعكاس لحال التخطيط والاستعداد للكوارث الحالية.
غاب المواطن في خطط الكوارث والطوارئ، وغاب أيضا في غالب ردود الأفعال، فكما أن الخطط الحالية تعنى بالطرق والمباني والسدود ولا يعلم عنها سوى القطاع المعني بتنفيذها، كذلك كانت المطالبات بمحاسبة مسؤولي البنية التحتية فقط ليتم اختزال المشكلة في الجمادات من مبان وعقود وما تدره وتهدره من المال العام.
اختزال الكوارث في البنى التحتية هو الطريق الأسهل والأسرع للنقد، فهي زاوية ستضمن لصاحبها مع كل كارثة إعادة ما ذكره مسبقا لعلمه بأن البنى التحتية لن تتعدل سريعا في بيئة يغلب عليها شبهة الفساد في تنفيذ المشاريع.
ولذلك فلا بد من محاولة الرجوع للواقع والتأقلم مع واقع ضعف البنية التحتية، فليس من المنطقي أن ننتظر كل موسم ماطر لنختبر سوءها المتوقع ونعيد نفس الكرة من المطالبات التي تنتهي بخبر إرساء عقود مليونية لمشاريع صرف صحي لنحفظ الخبر ونضيفه لأرشيف المشاريع السابقة، فقط ليستفيد منه أصحاب حلول البنى التحتية لتأييد حلهم المعجزة ما أن تلوح غيمة الكارثة القادمة.
لن نطالب بخطة وطنية للكوارث والطوارىء، فهي قد تأخذ وقتا يفوق ما تحتاجه البنى التحتية من إصلاح، ولن نطالب بتوسعة نطاق خطة الطوارئ والكوارث لموسم الحج لتشمل كافة مناطق المملكة طوال العام، فخصوصية الحج المليونية تقف عائقا عن تبنيها لألوف في حي أو منطقة. نحن فقط نريد خططا صالحة للاستهلاك الآدمي، يحس المواطن فيها بقيمته فيعلم ماذا يفعل وأين يتجه وما هي منطقة التجمع وما هي منطقة الإخلاء للحي السكني الذي يقطنه أو لمدرسته أو لمقر عمله أو حتى للشارع الذي حاصرته السيول وسطه. نحتاج خططا مناطقية، لغياب الوطنية، تتمحور حول المواطن على الواقع وليس الورق تقبع على أرفف لا يعلم عنها منسوبو القطاع المسؤول فقط لتطالعنا التصاريح بأنه تم "إعداد" خطة طارئة أثناء السيول!
سُؤلنا هذا لحاجة النجاة، فقط للنجاة بأنفسنا ومن نحب، وللنجاة بمنسوبي القطاعات الذين يتعرضون للخطر بسبب تغييب المواطن عن خطط الطوارئ والكوارث، فإرسال دوريات لتغلق طرقا تجتاحها السيول لتقوم بإعادة باصات المعلمات المتجهة للقرى هو رمي أرواح للتهلكة، كان بالإمكان تفاديه لو أن المواطنين على علم بهذه الخطط وما تحتويه من خطوات تحذيرية لهم ولقطاعات الدولة وخططها المبعثرة. سُؤلنا هذا نبعثه من تبوك وجدة وجازان، ضعونا في ما تملكون من خطط وأعلمونا عن ما تحويه صفحاتها، لا نريد المجلد بأكمله، فقط ما يساعدنا على النجاة. سُؤلنا هذا نرسله بتحية منا لفرق التطوع والإغاثة من أبناء الوطن ومحملا بنسخة من جهودهم لعلها تكون بداية إدراجنا في الخطط من بعد تغييب.
لقد حان الوقت لقنوات إعلامية مرئية ومسموعة وطنية ومناطقية للأحوال الجوية وما تحمله من كوارث وطوارىء ولعلها تكون الطرق الأقصر والأسرع للبدء في بناء نظام تحذيري توعوي متخصص لكل منطقة حسب بنيتها التحتية وتاريخها المناخي لحين إدراج التعامل مع الكوارث في التعليم العام والعالي ولحين تطهير المشاريع ومنفذيها ولحين إصدار الخطة الوطنية للطوارىء والكوارث.