منذ أن انفجرت قضية الكاتب حمزة كشغري قبل عام ونحن نمرُّ بين الحين والآخر بقضايا مشابهة في أوساط المغردين والكتاب، فهناك من يتهم أحدهم بأنه يغرد بإلحاد، والآخر يتهم غريمه بأنه يشجع على الإرهاب، والمتابعون يتغنون على "خراب مالطة" في كل مرة يقع واحد في فخ كلامه وسوء تعبيره، وربما لمجرد عبارة خرجت في لحظة تجلٍ فلسفية أو نفسية.
مر عام على تلك القضية التي دفع ثمنها شاب تصور أنه يعيش في أجواء تسمح بأن يتجلى فكره المشوش وأن يخرج للعيان، وأن القول في "مجتمع الكلام" هو فن سيتقبله الجميع وربما يصنع منه نجم وفيلسوف الزمان الحالي.
عندما تطاول حمزة حينها بعبارات تمس سيد الخلق عليه الصلاة والسلام رأيت، كما الآلاف مثلي، أنها خارجة عما يمكن اعتباره حرية رأي، فطالبت أن يحاسب على كلامه وعلى تجاوزه الذي في ثناياه رأيت أنه قد يصبح التطاول أمرا شائعا من منطلق التفكير الفلسفي وبضاعة للعامة، في وقت نعرف فيه جميعا أن الفلسفة، كما الدين، يحتاج المشتغل بها لأدوات فكرية ودراسة متعمقة ورصينة.
منذ حادثة حمزة شهد الفضاء التويتري ـ وهو النادي الفكري الجامع في السعودية ـ عددا من حالات مشابهة، منها ما تم التعامل معه وفق النظام، ومنها ما تم التغاضي عنه لسبب أو لآخر، بينما ما زال المجتمع الافتراضي يعج بالكثير من الشطحات الفكرية بين متطرف ديني وبين متطرف لا ديني.. تتصارع بينهم الأفكار دون أن يكون لمحاولات التوافق والتفاهم بينهم وجود، في أجواء مشحونة من صراعات فكرية، بعضها طائفي اللون وبعضها الآخر سياسي التوجه.
لكي يكون هناك تأثير في القرارات التي نأخذها يجب أن يكون العدل أساسا فيه، والتعامل مع من شذ عن الفكر السليم وقام بالتفوه بعبارات غير مقبولة هو كمن شذ عن الإسلام السليم المسالم، وقام بالتروج لقتل الآمنين وترويع المواطنين وتسويغ الإرهاب باعتباره جهادا وحربا مقدسة.
لابد أن نعترف بأن لدينا مشكلة في النظر لموضوع التمرد الفكري، ولا أقول الغزو الفكري، فإن كان العقاب لم يحقق الهدف المنشود، فذلك يعني أن هناك ضرورة قصوى للنظر لآلية المعالجة بشكل جديد، فسجن كشغري على سبيل المثال لم يمنع خروج آخرين يرون الأمور مثله، وهي مؤشرات على أنه من الواجب أن تقوم الجهات المعنية بالنظر لأسباب نشوء هذا الخطاب الخارج عن المألوف، ومحاولة التعامل معه فكريا بالحجة، وتبيان الحقائق بلغة المنطق والعلم التي يعتمدها هؤلاء في شطحاتهم الفكرية ورؤاهم الفلسفية.