لكل مجتمع من المجتمعات ما يعتز به ويستند إليه فكرا وحضارة واشتغالا تراثيا، ولكل منطقة ما تباهي به نظيراتها، بل إن لكل منا يحتفي به في حياته ويزهو أن أنجزه، ولكن ذلك كله قد يذهب مع الريح دون رصد وتوثيق متخصص، كنا قبل عقد من الزمن تقريبا نشاهد على قناتنا الأولى العريقة برنامجا وثائقيا محليا تنجه مؤسسة آرا للإنتاج الفني، وكان البرنامج مشروعا توثيقيا للمنجز الحضاري والتراثي والاجتماعي، وكان أبرز ما يشدني حديث الشخصيات العفوي الصادق، وقبل ذلك – إن كنتم تتذكرون- برنامج الإعلامي المميز خالد زارع ـ يرحمه الله ـ "ربوع بلادي"، الذي طاف معظم مناطق المملكة في ثمانينات القرن المنصرم موثقا شواهد العصر وعلامات التطور بلغة حميمية وصوت ينفذ إلى أعماقنا دون استئذان، حيث يأخذنا إلى معالم تاريخية في مشهدية ليس لك سوى التسمر أمامها، والاستمتاع بما تتضمنه من جرعات ثقافية ومعلوماتية قيمة.
http://www.youtube.com/watch?v=JXHFAZAU3fE
وقد كان لأستاذنا القدير الشاعر والإعلامي المخضرم أحمد عبدالله عسيري برنامج مماثل طاف عبره قرى السراة وسهول التهائم، اطلعنا من خلاله على ما تحفل به تلكم الجهات من أطياف التنوع الثقافي والاجتماعي والزراعي، ولا أعلم ما إذا كان محفوظا في مكتبة التلفزيون الآن، حيث يوفر مادة مرجعية مهمة للباحثين المتخصصين في هذا الاتجاه وأرى الآن على القناة الثقافية السعودية واجبا أن تتبنى مشروعا وثائقيا، يعمل على إعادة التعريف بمناطق ومحافظات بل وقرى بلادنا، ولن أبالغ إذا قلت بعض أحيائها الشهيرة، التي شكلت خريطتها الاجتماعية بحيث تلتقي رموز تلك المعالم في حوارات تجذب بها شريحة الشباب على أن تخرج في حلة قشيبة، وإنتاج مميز على غرار ما يقدم في الوثائقيات المحترفة، وأظن أن ذلك ليس على قناتنا بعزيز، خاصة أنها ما تفتأ تعرض بين الفينة والأخرى لبرامج وثائقية لبلدان وشعوب بعيدة عنا، وهذا ما لا نعارضه غير أن أولي القربى أولى بالمعروف.
ولن تجد قناتنا العزيزة ممانعة رسمية أو اجتماعية، بل ستجند كل الجهات فرق عمل لمساندة المشروع ودعمه، خاصة إذا ما اقتنع رجال الأعمال بالفكرة، فنحن في أحوج ما نكون إلى النظر إلى أنفسنا، وما نمتلكه من مقومات تراثية واجتماعية، مما يدفع بعجلة الانتماء الوطني قدما.