بعد أن أُلقيت القنبلتان النوويتان على هيروشيما وناجازاكي، أرسل الرئيس الأميركي ترومان أكثر من ألف مصور، بقصد رصد مقدار الدمار الذي صنعه الغرور الأميركي، كما أن طبيبا سويسريا شارك في التصوير، ليبقى لنا شاهدا حقيقيا على ما حدث. تقول إيرين بارنيت من المركز العالمي للتصوير في نيويورك: "كان هناك حائط بقي من مدرسة، إنه من المحزن ألا يبقى سوى حائط من كل شيء".. وقد أرسلت إليّ في "الواتس أب" صورة فيها معلم وتلاميذه بعد شهر واحد من الحدث، يدرسون في العراء، ويلتفتون نحو المصور الذي يبدو أنه قاطع درسهم، وحولهم دمار كامل، وقطعا لم يكن في عقولهم.

كانت شروط أميركا مذلة جدا لليابانيين، وأظنها ظنت وقتها أنها هزمت اليابانيين، لكنها لم تفعل، ولم يفكر اليابانيون في الهزيمة والنصر، بل قرروا أن يستأنفوا المعركة لكن بتغيير مجالها؛ لتصبح معركة في التطور والعلم، وفي نفس الوقت كان هناك مهندس كفء عانى مثل كثيرين من عداوة المتميزين؛ فقرر الرحيل لليابان وهو إدوارد ديمنج، إذ استطاع مع اليابانيين وبفكر الجودة صناعة منتجات أكسبت اليابانيين ثقة العالم.

لم يستسلم اليابانيون لمشاعر الكراهية ويحومون حولها ويرددون شعارات الثأر، بل مضوا للمستقبل ليكون كفيلا وحده بمداواة جراحهم، وأظنه داواها جيدا، فمن لا يحترم اليابانيين اليوم؟

في الواقع، إن ما فعله اليابانيون فعله النبي صلى الله عليه وسلم، في صلح الحديبية عندما صالح كفار مكة ورجع دون عمرة، وقتها غضب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وكادت أن تستولي عليهم عواطفهم، وتقودهم نحو هزيمة حقيقية، حتى إن كلامه صلى الله عليه وسلم لم يؤثر فيهم، فأشارت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ بالفعل، وهو أن يحلق رأسه ليرضخ العامة وتهدأ العواطف لإرادة القائد، وتتجاوز مشاعر الهزيمة وخيبة الأمل للتفكير بالغد، فكانت الحديبية نصرا حقيقيا لدولة الإسلام.

الرئيس البرازيلي لولا ديسلفا، قاد التغيير في البرازيل، ورفع مستوى اقتصادها، وعندما انتهت مدة انتخابه ـ بحسب الدستور ـ فإنه لا يمكن إعادة انتخابه، ورفض ديسلفا أن يغير الدستور، فقاد العامة مظاهرة حملوا فيها الشموع، وساروا بحزن نحو بيته، لكنه رفض أن يجعل تلك المشاعر تؤثر فيه؛ لأن الجماعات لا تفكر سوى بمشاعر الغضب والامتنان؛ فتصنع الفوضى وتنتهي بخلق الدكتاتور.. وفرنسا ونابليون مثال للمشاعر المفرطة، وتأثيرها السلبي على النجاح في حياة الشخص والمجتمعات، وربما أقرب مثال على ذلك، ما رأيناه في جارتنا الكبرى مصر، فعلى الرغم من هتافات الانتقام، لم نرَ مالاً رجع أو ديموقراطية نجحت.. كان يكفي مصر القليل من الصبر والنظر للمستقبل، دون تصفية حسابات بين الحكومة المنتخبة، والمعارضة الغاضبة.