حين يقول ابن لأبيه: "إلى أين تأخذني يا أبي؟" يجيبه: "إلى جهة الريح يا ولدي... لا تخف. لا تخف من أزيز الرصاص. التصِق بالتراب لا تخف، لا تخف من أزيز الرصاص.. التصق بالتراب لتنجو! سننجو ونعلو على جبل في الشمال". ويسأل الابن أباه "لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟". يأتي جوابه مدوياً: "لكي يؤنس البيت يا ولدي. فالبيوت تموت إذا غاب سكانها"!

لستُ ناقداً أدبياً ولا شاعر تفعيلة. لكني لا أخفيكم أن قراءة (درويش) أمر مدهش. لقد شكَّلت هذه القصيدة بالذات صورة مكتملة للنصَّ الشعري كما يقول النقَّاد، فمنذ الوهلة الأولى التي تُقرأ بها أو تُسمع بصوت صاحبها بقدرته الخطابية الفائقة تقود إلى الاندهاش من قدرة الشاعر على تحويل السيرة الذاتية إلى نصّ شعري ملحمي، لا بطوله بل بما يحويه من أفكار مؤثرة ولغة قوية ومفردات متعددة بتعدد تضاريس الأرض وتشكيلات الغيوم.

وفي شعر درويش لم يكن الحصان رمزاً تاريخياً للأمان والحب والفروسية والحرب فقط، بل هو رمز جديد لاستمرارية الوجود والبقاء والعودة للمكان القديم، حيث يبقى الحصان لحراسة البيت الذي ينتظر عودة أصحابه.

لقد نجح محمود درويش بإيصال نصه الشعري إلى العالمية لأسباب متعددة، منها الأفكار والموضوعات الجادة الملتزمة التي يطرقها، ومنها الثراء اللفظي/ اللغوي الذي كان أحد أهم هذه الأسباب، فقاموس درويش اللغوي متعدد الألفاظ، حتى يخيَّل للمتلقي أن كل بيت شعر فيه هو قصيدة مستقلة بذاتها، ولهذا يشبه درويش امتداد الصحراء العربية أو المحيطات الواسعة في شعره، ولا أعتقد أنه يشبه أحداً بذلك؛ مما جعله مدرسة شعرية مستقلة تتميز بقاموس متعدد الألفاظ والمفردات والمعاني، بعكس شعراء آخرين لهم شعبية واسعة ومنهم نزار قباني الذي يكتب ببساطة وجمالية، لكن كأنه في كل قصائده يعيد إنتاج قصيدة واحدة، وربما يعود ذلك لمباشرة قصائده من جهة، وسهولة الألفاظ في ظل محدودية قاموسه اللغوي من جهة أخرى.

إن محمود درويش يمكن أنْ يُكتب عنه بلا مناسبات ولا تأبين، لسبب بسيط هو بقاؤه واستمراريته وقدرته على خلق الجديد، فسحر الشعر الذي استطاع أن ينجزه سرداً ورمزاً ومعنى خلال مسيرته الأدبية/الوطنية الحافلة هو جدير بالدراسة وانبعاث موضوعات جديدة لأطروحات علمية أدبية وفكرية جديدة، فقد أعاد ألق السيرة الذاتية للإنسان والزمان والمكان كأبرز تشكيلات البشرية للوطن/الحلم الذي يتشكل تاريخه بحالة شعرية فريدة تنطلق من ثلاثية المكان والزمان والإنسان وتعود إليه.

لم يكن درويش شاعراً ملتزماً بالنص الوطني فحسب، بل كتب للحب والحرب والأم والطفولة وكأنه بذلك يؤدى دور الشاعر الإنساني الذي يسبح في فضاء فسيح لا تعوقه حدود ضيقه، فالزمان حاضر دائماً حتى في قصائد الحب لديه: "ينفضان الورد عن قلبيهما، ينكسران. يخرج الظلّ من الظلّ يصيران ثلاثة: رجلاً وامرأة والوقت".

ولما للفكر من اتساع أثمر ذلك بوجود علاقة ذات معنى إيجابي بين شعر محمود درويش وفكر إدوارد سعيد، حتى كاد الاثنان يكونان بالنسبة لي وجهين لعملة واحدة لا أستحضر أحدهما إلا وتستحضر الذاكرة الآخر، وقد أشار محمود لذلك حين اعتبر أن معرفته بإدوارد سعيد كانت منحنى مهماً عبَّر عنه في قصيدته المهداة للمفكر الكبير (طباق: عن إدوارد سعيد)، وبغض النظر عن العلاقة الشخصية بينهما ربما كان الاهتمام بالفكر الإنساني موضوعاً رئيساً وطد علاقتهما معاً حتى رحيلهما، إلا أن الوطن الفلسطيني أيضاً هو البعد العميق الذي جمع قامتين شامختين شكلا في الذهن ثنائية وجودية ذات معنى.

من الصعوبة بمكان أن يستسيغ المتلقي المبتدئ خطاب درويش الشعري، ليس لما فيه من صعوبة نسبية، بل لما فيه من جزالة الألفاظ والرمز والمعنى، وهو بذلك ليس شاعراً سهلاً بل هو الممتنع دائماً، وهذا ما جعله يبقى إلى حد ما في الزاوية النخبوية غالباً، لكنه يسير في الوقت ذاته على الخط الشعبي من خلال الموضوعات التي تناولها، حيث إن الإنسان يعتبر الموضوع الرئيس في نصه الشعري، فلم يكن الإنسان موضوعاً فحسب، بل هو حالة شعرية. ومرة أخرى أقول: إن محمود درويش يكتب بلا مناسبة كما يُقرأ بلا مناسبة، فكل الأوقات مناسبة لقراءته وكتابته، والفرص ما زالت سانحة لاكتشافه من جديد أمام الباحثين في الفكر والأدب.