أحيانا نحتاج إلى ذاك العمق في فهم المعاني التي تُشكل تفكيرنا ورؤيتنا للآخرين والأشياء في محيطنا، و مع الأسف، حولت ثقافتنا الاجتماعية الاستهلاكية بجانب الوعي غير الناضج قيمة الجمال إلى مجرد قشرة تعبر أمامنا سريعا، أحيانا يظن بعضهم أنه كلما دفع الكثير من المال في شيء ما كان بمثابة الأجمل، فهو جميل بقدر ما يكون ثمنه وليس العكس، لكن مفردة "الجمال" ليست مجرد أربعة حروف. إنها عميقة جدا حين نتأملها، بل شكّل هذا المصطلح أحد العلوم الفلسفية المسمى بـ(علم الجمال) تولدت عنه نظريات وكونت بعلمائها اتجاهات كان لها تأثيرها في الآداب والفنون والعلوم، فقد أراد كل منها فرض حدود وتصور للجمال في اتجاه معين نتيجة تأثرها برؤى فلسفية نبعت من اعتبارات اجتماعية واقعية أو فنية، مما أدى إلى انقسام فلاسفة الجمال إلى فريقين أحدهما ينظر للجمال نظرة مثالية، والآخر نظرة واقعية، لهذا وجدنا مذهبين شهيرين، الأول (الفن للفن) والآخر (الفن للحياة).

وحين نتعمق أكثر في معنى الجمال لغويا عبر معجم لسان العرب والمعجم الوسيط فإنه يعني البهاء والحُسن والزينة، وقال فيه ابن سيده: الجمَال يعني الحُسن في الفعل والخُلق، وجَمَّلَه أي زيَّنه، وامرأة جميلة أي حسناء، فيما يُطلق على الرجل صفة وسيم، والجمال عند الفلاسفة: صفة تلحظ في الأشياء، وتبعث في النفس سرورا ورضا، وعلم الجمال من أبواب الفلسفة التي تبحث في قيمة الجمال، ومقاييسه، ونظرياته، وهو علم محكوم بقوانين تطور الحياة والإنسان والفن، يعود ظهور مضمونه إلى نحو 2500 عام مضت في بابل ومصر والهند والصين، وتطور تطورا كبيرا في العهد الإغريقي، ونراه في أعمال هيرقليطس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، وأيضا في روما القديمة في أعمال هوراس، كما تطور في عهد فلاسفة عصر النهضة، وعصر التنوير وصولا للعصر الحديث، والمتأمل في تاريخ علم الجمال لا يجد سوى صراع بين المادية والمثالية، يعكس النضال بين طبقات المجتمع، فالمثاليون يعتبرون الظواهر الجمالية ذات منشأ روحي، والماديون يسعون إلى البحث عن أساس واقعي في حياة الإنسان، وعلم الجمال أشبه ما يكون بعلم مهمته حل مشكلة علاقة الوعي الجمالي بالوجود الاجتماعي والحياة الإنسانية. إن فلسفة الجمال تدور حول تصوره في أوسع فضاءات معانيه، وليست مقصورة على القيمة الجمالية وحدها، بل تشمل الجميل والمضحك والمحزن والجليل والحسن والمقبول والمذهل والمفزع والبشع والمدهش، جميع هذه الألوان تعتبر جميلة ما دامت تُثير في أنفسنا مشاعر حسية تجاه شيء ما بالرضا، وحول هذه النقطة تقع دائما اختلافاتنا بحسب تذوقنا.

ولعلّي أتذكر هنا قول سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله عليه : ليس الجمال بأثواب تزيننا... إن الجمال جمال العلم والأدب

وغدا نكمل إن شاء الله.