اعتدنا خلال الأسبوعين الأخيرين من شعبان؛ مطالعة الإعلانات التي تملأ الصحف والفضائيات عن البرامج الرمضانية، وبالذات برامج الدراما، التي تتسابق في تقديمها الفضائيات العربية، وقد بات شهر الصيام والقرآن موسماً لهاته الفضائيات في عرض أفضل برامجها.

تحسّرت جداً؛ وأنا أحاول أن أعثر على برامج دراما للفضائيات الإسلامية، تقدَّم بروح وذائقة محافظة للمجتمع، تضاهي تلك التي تقبل عليها بشغف الشرائح الاجتماعية بمختلف توجهاتها، بيد أنني صفقت كفّاً بكفّ، وقد عرفت السبب وأنا ابن هذا التيار والعارف بأدبياته. فلطالما وصم التيار الإسلامي من قبل الليبراليين العرب بأنه مناهضٌ للفنون وحركة الإبداع، ويقف موقفاً متشدداً يميل لتحريما وكراهيتها . بيد أنه للإنصاف؛ نثبت هنا أن كثيرين من تلك النخبة الليبرالية، تريد الانفتاح اللا محدود، والحرية بلا قيود، ولا شك أن تلك النظرة مخالفة للطبيعة البشرية بالدرجة الأولى، ومخالفة أيضا للتصور الإسلامي للكون والحياة، وحيال هذه الفنون التي ترعاها وتعطيها حقها، ولكن تضبطها بضوابط كي لا ترتد سلباً على فطرة الإنسان وعلاقته بربه.

في المقابل لا بدّ أن نعترف أيضاً بأن التنشئة الإسلامية في المحاضن الدينية، خصوصاً المحلية منها، لم تولِ في غالبها جانب الفن اهتماماً كبيراً، بل بعضها كان يحتقر الفنون ويعتبرها ملهاةً عن ذكر الله وانصرافاً إلى مغريات الحياة وفتنتها. وللأسف أننا ندفع في هذه الأزمنة ثمنا باهظا بسبب تلك النظرة الفقهية والتربوية الضيقة، التي أتاحت لغيرنا التقدم بسنوات ضوئية، ويملأون فضائياتنا فناً مبتذلاً رخيصاً لا يخاطب إلا الغرائز في معظمه، ولا يقدّم إلا الفن الرخيص التافه؛ الذي أفسد الأذواق وأماع الشباب. ونظرة واحدة لرقص وتمايل شبابنا في تلكم الحفلات الغنائية تغنينا عن أية كلمات، وعليه كان لزاماً على الغيورين في هذه الأمة التحرك، وتقديم البدائل الفنية التي تراعي قيمنا ومبادئنا.

وعلى ذكر البدائل، فقبل أربع سنوات اندلع سجالٌ كبيرٌ بيني وبين بعض الشرعيين في ملحق (الرسالة) وقت إشرافي عليه، عندما طالبت الدعاة والغيورين بامتطاء السينما وتقديم رسالة الإسلام عبرها، وانبرى وقتذاك الشيخ الفاضل سعيد بن ناصر لتسفيه الفكرة، وكتب متهكماً يفكك فكرة تقديم (البدائل) قائلاً: "وفي غمرة هذا التسويق العولمي يمكن القبول بأشياء كثيرة بعد أن نضع عليها (طرحة إسلامية) أو (مكياجا إسلاميا) أو (أنغاما دينية) فما المانع إذا جاءت مقترحات عولمية أو (دونمية) أن نقبلها مع بعض الرتوش والصبغات الإسلامية، حتى لا يسبق الأشرار إلى تنفيذ هذه البرامج، ويفسدوا المجتمع، وإذا كانت هناك مقترحات لإعادة (ستار أكاديمي) فلنسابق ونحضر أولاداً وبناتاً من خريجي الشريعة وطلاب العلم وطالبات تحفيظ القرآن، لكي ننافس ونسبق أهل الفساد!!".

ورددت على شيخي العتيد وقتها بمقالة طويلة قلت فيها: "هل أذكّرك -أبا سياف- وأنت تسخر وتعرّض بدعواتنا إلى البديل الإسلامي، ما ابتدعه إخوتك في المغرب للشاليهات والشواطئ الإسلامية قبل سنوات، وأقبل عليها المجتمع المغربي بكل شرائحه، مما جعل العلمانيين هناك يضجّون ويستعدون، كعادتهم في كل مكان، وأوقفت..ألم تك الأناشيد ومحلات التسجيلات بديلاً للأغاني، وتطورت المشروعات إلى إصدار فيديو كليب إسلامي يحظى بإقبال كبير، بل حتى (ستار أكاديمي) الذي تبكّت عليه، هل من مانع أن تقوم قناة (المجد) بتطوير فكرته وجعله في مسابقة يصوّت فيها المجتمع على شباب يحفظون القرآن والحديث ويلقون الخطب والأناشيد. يا شيخي العتيد: هذه ذائقة العصر وهي بالطبع تختلف عن ذائقتنا (إن كان ثمة ذائقة لكلينا) فدعوا المجتمع يتنفس ووسّعوا دائرة المباحات".

أتأمل هذه المعركة -التي تعمدت أن أسوقها هنا استدلالاً لدعوتي- ونجاح قناة (بداية) وقد استنسخت فكرة (ستار أكاديمي)، لتحظى اليوم بمتابعة وإقبال كبيرين، بعدما حلقت بالفكرة بذائقة محافظة.

ما أهدف إليه في هذه السطور؛ لفت أنظار دعاتنا الأحبة إلى أهمية الدراما في عصرنا، والتأكيد على ضرورة إعادة النظر في استثمارها لترسيخ قيم الإسلام في نفوس الأجيال والناشئة، فالدراما أداة فاعلة ومؤثرة، وبدلاً من البكائيات على انتهاك بعض المسلسلات لقيمنا ومبادئنا، لماذا لا نخطو نحو ردة فعل إيجابية عبر امتطاء هذه الأداة وتوجيهها للخير؟.. صحيح أن موقفنا من التمثيل والدراما قد خفت حدته كثيراً، إلا أنني أصبو إلى أن يتلمّس الصالحون أثر هذه الأداة، ويوجّهوا رجال الأعمال، ممن نتوسّم فيهم الرسالية والخيرية، إلى أن يستثمروا ويضخوا أموالاً فيها، فهم بالتأكيد من سيجني مكاسب لا تحصى، إن كانت مادية أم دعوية.

هل تعلمون أن أثر الدراما تعدى إيصال وتجذير الرسائل الفكرية في عقول المشاهدين، إلى إعادة كتابة التاريخ، وكتبت عن ذلك، وسقت مثالاً: مسلسل (الملك فاروق) قبل عامين، فقد فوجئ الجميع –وخصوصاً الأجيال الجديدة في مصر- بصورة مغايرة تماماً لما قرأوه وتعلموه عن الملكية، وقد شوّهها عسكر يوليو، وبدا الملك الشاب فاروق في صورة غير التي صوّرها ضباط الثورة بأنه سكّير وعربيد وزير نساء وجبان، لا سيما أن الممثل السوري تيم الحسن بوسامته وإتقان دوره؛ سحر المشاهدين، وكسب تعاطفهم، وقلب كل الانطباع السابق عن ذلك الملك المخلوع. وككل جيلي، تفاجأت بالصورة الجديدة للملك فاروق -على قلة الحلقات التي شاهدت– لكن المسلسل أقنعني، بديكوراته الباذخة، وجودة إخراجه، وحسن أداء الممثلين، علاوة على أنه صوتٌ وصورة، أكثر بكثير مما قرأته من نتفٍ يسيرة تائهة عن الملك فاروق، وعبر سطور جامدة مرت عليّ لماماً، ولم أحرص عليها.

أتذكر أنني حرصت وقتها على سؤال ثلة من المثقفين الذين أدركوا تلك الحقبة، لأستشرف رأيهم في هذا المسلسل، وحقيقة الملك فاروق على طبيعتها، وما عايشوه في تلك الحقبة البعيدة، وإذا بأحد كبارهم ينفي هذه الصورة الزاهية عن ذلك الملك، ويقول-مغضباً- إن المسلسل غالط الحقيقة في مواضع كثيرة، ويصرح بأنه لم يستفزه شيء في ذلك المسلسل مثلما رأى في إحدى الحلقات ذلك الممثل يمسك بندقيته كي يطلق الرصاص، ومصر كلها تعرف في ذلك الزمن أن فاروق لم يعرف حمل السلاح أبداً، غير أن غضبة ذلك المثقف تبددت والنمذجة الزاهية لفاروق، وتأثير ذلك المسلسل في نفوس مشاهديه.

أيها الدعاة، الدراما سلاح وأداة خطيرة، فقدموا عبرها – وعبر السينما- رسالتكم، فوالله إن فيلماً احترافياً واحداً ليوصل رسالة إلى ملايين المتابعين في كل أنحاء العالم بطريقة فعالة ومدهشة، بما لا تستطيعه آلاف الخطب والمواعظ.