تم إقرار نظام مزاولة المهن الصحية من قبل مجلس الوزراء في عام 1426، والذي نصت مادته الرابعة والثلاثون المختصة بالتحقيق والمحاكمة فيما يختص بالأخطاء المهنية الصحية، بعد أن أسهبت مادته السابقة في شرح أعضاء ما يسمى بالهيئة الشرعية الصحية، على ما يلي: أولا: تختص الهيئة الشرعية بالنظر في الأخطاء المهنية الصحية التي ترفع بها المطالبة بالحق الخاص كالدية والتعويض، وثانيا: النظر في الأخطاء المهنية الصحية التي ينتج عنها وفاة أو تلف عضو من أعضاء الجسم أو فقد منفعته أو بعضها حتى "لو لم يكن هناك دعوى حق خاص".. هذه الهيئة الشرعية الصحية مقرها وزارة الصحة بالرياض وهيئات أخرى في المناطق الأخرى، بحسب ما يقره وزير الصحة.

مرت سبع سنوات منذ تم إقرار النظام والعمل به، وقد يتبادر للذهن المنطقي أن هذه الفترة كافية ووافية لمعرفة حجم الأخطاء الصحية، أو على الأقل حجم ما تختص به المادة الرابعة والثلاثون من النظام، خاصة أنها ترصد تلفيات الأرواح والأجساد، حتى وإن غاب عن المواطنين الرفع بحقهم الخاص، كما نصت عليه المادة.

سبع سنوات وهذه الأخطاء تنمو وتتكاثر حتى أصبحت جسدا يافعا يملأ الصحف ووسائل الإعلام، ويأبى أن يغيب اسمه عنها فقط، لتطالعنا الصحف بأن وزارة الصحة وهيئاتها الشرعية الصحية لا تعلم عن حجم الأخطاء المهنية الصحية لتقوم باعتماد برنامج لقياس حجم الأخطاء في المستشفيات الحكومية والأهلية، بل واعتبرته "نواة" لقاعدة معلومات دقيقة لجسد الأخطاء الصحية!

قواعد البيانات مهمة، ولا خلاف على ذلك، وخاصة لوزارة مثل وزارة الصحة حتى تبني عليها سياسات صحية سليمة علميا أكبر من شعارات إعلامية فارغة، ولكن حادت الوزارة مجددا هذه المرة لتغض النظر عن الجسد وتلتفت لنوية.

كيف لوزارة تحتضن هيئات شرعية تنظر في الأخطاء الصحية المميتة أن تعتمد برنامجا لقياس ما تم قياسه خلال سبع سنوات؟ هل كانت هذه الهيئات الشرعية الصحية مغيبة عن الحالات مهلكة الأرواح ومتلفة الأجساد ممن لم يحالفها الحظ برفع حق خاص أو أن يلتقطها ضوء الإعلام؟ كيف لوزارة أن تعد برنامجا كهذا نواة، وهي من احتضنت خلايا الهيئات الشرعية الصحية والتي من المفترض أن ينتج عنها برنامج لمواجهة هذا الداء وضحاياه الذين يتم رصدهم من قبلها؟!

كل ما سبق ونحن ما زلنا في المادة الرابعة والثلاثين، فقط في الأخطاء المهنية الصحية المهلكة أو المتلفة، فنحن لم نتطرق لقاع جبل الأخطاء الصحية.. الحديث ما زال عن القمة السوداء.

هذا البرنامج الذي اعتمدته الوزارة لرصد الأخطاء الصحية، كما صرح به المتحدث الإعلامي للوزارة والذي لم يفصح عن حجمها عندما تم سؤاله، يعيد للواجهة خلل الإدارة في وزارة الصحة، فهي أولا لا تعلم عن حجم الأخطاء التي يتم رصدها من قبل الهيئات الشرعية الصحية، وثانيا تنتظر أن تحدد نسبة دقيقة للأخطاء الطبية في المرافق الصحية قبل أن تقر برنامجا للتعامل معها.

هذا النهج هو نهج إداري متخبط عند التعامل مع الأخطاء الصحية، فنحن أمام معضلة إدارية تفقد بسببها أرواح وتتلف فيها أعضاء.. بحاجة أن يتم العمل على حلها أولا ومن ثم البدء برصدها بشكل دقيق، أو في أسوأ الحالات البدء بها بشكل متواز، هذا إذا أغفلنا حقيقة أن الوزارة تملك معلومات سبع سنوات من الأخطاء الصحية المرصودة من قبل هيئاتها الشرعية.

هذا البرنامج النواة يلزم الجهة المسؤولة في المستشفى بتوثيق الخطأ ومسبباته إلكترونيا حتى يتم النظر فيه خلال 48 ساعة من قبل اللجان المختصة، وهذا يقودنا للسؤال عن الآلية التي ستتبعها الوزارة في التأكد من التزام المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة بالتوثيق في ظل غياب الوعي الحقوقي الصحي للمواطنين بذلك، وعدم مطالبتهم بحقهم الخاص وفي ظل انعدام المؤسسات والأهلية الحقوقية الصحية.

هل سننتظر سبع سنوات عجاف أخر لتكتشف الوزارة حلا لهذه الآلية، ومن ثم تعود لتعلن عن إيجاد قاعدة بيانات لرصد من لم يرصد الأخطاء الصحية؟