تخيّل أن يكون مقر هيئة مكافحة "الفساد" في مدينة "الطائف"، وأن تكون معامل ومختبرات هيئة "المواصفات والمقاييس" في "الباحة"، بينما ينتقل مركز أبحاث شركة "سابك" إلى "بلجرشي"، أي أثر اقتصادي واجتماعي سوف يحدثه مثل هذا التوزيع؟ وأي فرص عمل حقيقة سوف تخلق؟.

فلسفة التنمية الوطنية المتوازنة، تعتمد على عاملين اثنين، الأول مدى توزعها وانتشارها عبر الوطن، والثاني مدى اعتمادها على مفاهيم الاستدامة والتوازن البيئي، لكن المشكلة التي ما نزال نعانيها في المملكة، هي تركّز أغلب مشاريع التنمية في المدن الرئيسة الثلاث، فهي من يحتوي الجامعات والإدارات الحكومية ومقرات الشركات والمصانع وهلم جرا، مما سبب تدفقا هائلا للهجرة نحوها.

والعاصمة "الرياض" بالتحديد تعاني الآن تسارعا كبيرا في نمو سكانها، حتى تجاوز الخمسة ملايين نسمة، وأضحت متخمة بالمقرات الرئيسة للوزارات والجهات الحكومية، وبالتالي ما يتكاثر حولها من شركات ومؤسسات خاصة، لذا تتوفر فرص العمل أكثر من المدن الأخرى، التي لا يوجد فيها إلا النزز القليل من فروع المؤسسات الحكومية أو المشاريع الاستراتيجية.

لا بد من إعادة النظر في تحديد المقرات الرئيسة للجهات الحكومية، وخاصة المنشأة حديثا، مثل الهيئات والمؤسسات المستقلة، ومحاولة استلهام التجربة الأميركية في توزع الهيئات والإدارات الفيدرالية عبر أميركا، وليس تركزها فقط في "واشنطن العاصمة"، فها هي مؤسسة الفضاء الأميركية "ناسا" يقع مقرها في "أطلانطا" بولاية جورجيا، بينما يقع مقر إدارة الأدوية والأغذية الأميركية في ولاية ميرلاند.

الفكرة بسيطة لكن آثارها التنموية واسعة ومستدامة.. فهل نرى قريبا مقرا رئيسا لمؤسسة حكومية خارج "الرياض"؟.