ليس صحيحاً أن العرب وحدهم الذين أجادوا صناعة الوهم وعزفوا على وتر الاستبداد ومردوا على معادات العقل وعبادة الأصنام.. فلكل شعب فكرته التوليتارية ولكل أمة شغفها الخاص بنمط محدد من اليوتوبيا الملائمة لخرافاتها الثقافية.

ونادرا ما كانت المثل العليا أو القيم الفاضلة محركا رئيساً لتوجهات الشعوب، بل إن قدرة هذه القيم على إشاعة قواسم مشتركة بين المجتمعات بدت في واقع النشاط الإنساني أقل مما يمكن التعويل عليه عند طرح فرضية الحداثة كعنوان واضح لتوافقات محتملة بين مستويين اقتصاديين مختلفين يدعى أحدهما جنوبا معدماً ويعرف الآخر شمالاً متخما.

على مجهر السلوكيات السياسية العامة لتجربتي الشرق والغرب يمكن ملاحظة نقطة الانحسار التي تحدد سقف المثل العليا حدا يجعل منها موضوعات هلامية مكانها كتب التاريخ الانطوائي الذي يحكي اكثير مما كان يتعين القيام به لا ما أمكن ترجمته على وقائع على الأرض وحقائق راسخة في وجدان البشر.

تقتحم الأمثلة حيواتنا فلا نرى الكثير من الفوارق بين مجتمعاتنا النائية وهي تمضي إلى الخلف على مقود المتشددين في حركات التدين السياسي – أقصد – المشتغلين على فتيا الاستباحة ضد الخصوم، ونهم الانفراد بالسلطة وتحميل السماء مسؤولية أخطائهم على الأرض.. لكننا ونحن نتناول مثالهم بالنقد لا نستطيع اعتبارهم علامة حصرية للتخلف طالما كانت أمثلة التفوق التقني للولايات المتحدة الأميركية غاية في الانحدار وهي تبعث طائراتها لاصطياد أرواح الأبرياء – في غير مكان من العالم – بجريرة الإرهاب، ودون التفكير ولو على سبيل المراجعة بدورها البارز في تبني فقاسات التطرف وجماعات القاعدة منذ الوهلة الأولى لنشوء الظاهرة!

وإذا كانت عوامل التخلف السياسي والاقتصادي والعلمي فرضت هيمنتها وكرست الشعور بالدونية في واقعنا العربي والإسلامي كما كان هذا شأنها في تعزيز فرص نمو الاستبداد وإلقاء مجتمعاتنا الاستهلاكية في وحل الارتهان، وتحويل أوطاننا إلى أسواق مفتوحة للصناعات المستوردة، وهو ما أدى إلى تعطيل حساسية الإنسان العربي تجاه تحديات الإشباع الذاتي لحاجته الأساسية، والاشتغال في خدمة المسار القيمي للحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة بالتساوق مع موروث ثقيل من إرث الاستبداد لنستحق على ذلك البقاء تحت طائلة الاستلاب، إلا أن مقومات التفوق الغربي أخطأت في رؤية المثال الأخلاقي لوجودها.. وهنا نسأل: ما الذي يميز مجتمعات الوفرة والتفوق عن لوثات التخلف في العالم الثالث؟! تضيق الفجوة بينهما عند تحليل المعطى الأخلاقي للموقفين الروسي والصيني إزاء حرب الإبادة التي يشنها نظام بشار الأسد ضد شعبه. إن الحديث مجازا عن فارق الاختلاف بين مجتمعات متقدمة وأخرى متأخرة لا يعني شيئاً متى غاب المضمون القيمي والتأصيل الأخلاقي لفلسفة التطور والتفوق والوفرة.. ولهذا تحديداً سوف نبدو في الحقيقة كائنات تحكمها طبائع الغابة.

لكن؟ من قال إن الغابة لا تحكمها قواعد ثابتة وقوانين صارمة وأعراف تتوافق عليها حواس كائناتها؟ ماذا لو أعدنا تشكيل المقاربات وأعمال المقارنة بين كائنات الغابة وموجهات السياسة والحكم والاقتصاد في عالمنا المعاصر؟

في الغالب لا تكون الجرذان فرائس مشتهاة للثعالب ولا نرى الثعالب تركض على فروة الأسد.

كائنات الغابة تقتل بعضها بفعل الجوع لا لمجرد النزوع إلى القتل.

سوف تأخذنا الأمثلة إلى أقرب حالات الإفلاس الأخلاقي فيما نعده وفرة أو تفوقاً، فعلى الرغم من التحفظات المثارة حول المشروع النووي الإيراني إلا أن بعض القوى السياسية العربية ظلت على تعاطفها مع طهران وما يشكله مشروعها من قوة ردع مقابل القدرات النووية الإسرائيلية.

بيد أن القضايا العادلة لا تصلح غطاء للنوايا السيئة، وذلك ما كشفته شحنات الأسلحة الإيرانية المقبوض عليها من السلطات اليمنية.

على هذه الشاكلة تغدو الوفرة عرياً والتحلل من ضوابط القيم فضيحة دولية مدوية لا في حق المراب الفارسي فحسب ولكن في حق الحركات والجيوب الإيرانية التي جعلت القضية الفلسطينية وتحرير المسجد الأقصى علكاً ومتواليات تآمر ودمار.