هو سؤال يحيّر الطالب الذي تخرّج من الثانوية العامة، وقد وصلني مؤخرًا من صحيفة طلابية لإحدى الجامعات المحلية استفتاء أو استبيان لمعرفة رأيي في هذا الموضوع الهام، وكانت الأسئلة تضع يدها على الجرح في مواضع عدة، ولا أجد من صلاحياتي طرح نقاط الاستفتاء هنا لكن أتمنى أن تنشره الصحيفة الطلابية على موقع الجامعة الإلكتروني كما وُعدت، وأكتفي في هذه المقالة بمحاولة مساعدة الطالب على اختيار دراسته الجامعية والتي هي أساس مهنة المستقبل، خصوصا مع بدء التقديم للجامعات، وإن كانت السنة التحضيرية ترجئ هذا الاختيار إلى السنة القادمة لدى المتخرجين من الثانوية هذا العام.
يوجد في البلاد المتقدمة لجنة خاصة لمساعدة الطالب على إدراك رغباته، ومعرفة قدراته، وكذلك مدى حاجة المجتمع لهذه الدراسة أو تلك، وهو ما يعود على الفرد/الطالب والمجتمع بالفائدة، وانطلاقا من هذه العناصر الثلاثة (الرغبة والقدرة والفائدة) يمكن للطالب أن يتجه نحو الدراسة الجامعية الأصلح له ولمجتمعه.
بما أنه لا يوجد مثل هذه اللجان في بلادنا العربية – معظمها أو كلها – فيمكن للطالب الاستعاضة عنها باختبار يرمز له بـ SDS وهي اختصار لعبارة (البحث الذاتي الموجّه) حيث يصنّف الناس – مع الاحتفاظ بمرونة التصنيف - إلى 6 مجموعات: واقعي، محقق، فنان، اجتماعي، مؤسس، تقليدي.
الواقعي: تعود إلى هذه المجموعة مهن مثل: نجار، كهربائي، طباخ، معلم فنون صناعية، مهندس ميكانيك، مسّاح، مساعد طبي، وهذه المهن تحتاج شخصاً لديه إمكانيات ميكانيكية ورياضية ويحب العمل في الهواء الطلق أو مع الآلات والأدوات أكثر من العمل بين الناس، ومن مواصفات هذا الشخص أنه صريح، عنيد، أمين، متواضع، مهتم بالمادة كما أنه إنسان عملي.
أما المحقق فتتبع له مهن مثل: بيولوجي، كيميائي، فيزيائي، جيولوجي، أنثروبولوجي، مساعد مختبرات، وتقني طبي، مبرمج، جراح، أخصائي تغذية. ومن صفاته أن لديه قدرات علمية وحسابية عالية، ويفضل العمل وحده ويحب حل المشكلات، بحيث يكون اهتمامه موجّهاً نحو الفهم والاكتشاف أكثر من إقناع الناس، ولذلك يتصف بأنه حذر دقيق، انتقادي، مستقل ومنطقي.
ضمن مجموعة (الفنان) نجد مهناً كمعدّ الإعلانات، الكاتب وخصوصا كاتب الدراما والأفلام، الموسيقي، المصور، مهندس البناء ومهندس الديكور، ومن صفاته أنه مستقل واسع الخيال ومبدع، ويحب التعامل مع الأفكار الإبداعية والتعبير عن الذات أكثر من التعامل مع الروتين والقوانين، ولذلك غالبا ما يكون فوضويا وعاطفيا واندفاعيا.
المجموعة الرابعة (الاجتماعي) وتتضمن المهن التي تحتاج إلى قدرات اجتماعية كالمعلم والمدرب والواعظ والمستشار والخبير النفسي والممرض والسياسي، ومن صفات المنتسب لهذه المجموعة أنه يحب تقديم الخدمات للناس، معتدل، متعاطف، متفهم، ولذلك هو يحسن العمل ضمن فريق، ويحب الانخراط بالعمل الاجتماعي أكثر من التعامل مع التقنية أو الآلات.
في مجموعة (المؤسس) نجد مهناً مثل: مخطط مالي، مدير (عمليات، مشاريع، مبيعات) محام، قاض، مراقب، وكيل سفر، ومن صفات المنتسب لهذه المجموعة أنه يقدر النجاح والمركز والمسؤولية، طموح ومبادر ولديه قدرات قيادية مثل الاجتماعية والثقة بالنفس والإقناع والتأثير والتحفيز والإنتاج، ولذلك فهو يحب توجيه الناس والتحكم بهم أكثر من الشخصيات في المجموعات الأخرى.
تبقى المجموعة الأخيرة (التقليدي) وضمنها نجد مهنا مثل: محاسب، مفتش بناء، مساعد تحرير، محرر موقع على شبكة الإنترنت، كاتب كشوف المرتبات، ومن مواصفات الشخص ضمن هذه المجموعة أنه دقيق وصادق ومثابر ومطيع، يتسم بالكفاءة ويهتم بالتفاصيل ويمكنه العمل مع الأمور أو الأرقام للوصول إلى معايير دقيقة، ولذلك هو يحب الروتين والنظام ويتجنب العمل الإبداعي بما له من أهداف غير واضحة.
إذاً هذا الاختبار هو من أجل أن يدرك الطالب إمكانياته وقدراته، لكن عندما يكون ذا مواهب متعددة فإن موضوع الرغبة يجب أن يكون فاصلا بالنسبة للطالب، وأما بالنسبة للفائدة فمن المهم أن تكون المهنة ذات فائدة مادية للطالب ولكن من المهم أيضاً أن تعود بالفائدة على المجتمع، ومن هنا يأتي دور الحكومات لتضع الأولويات بالنسبة للمجتمع ككل، وذلك كي يكون هدف التعليم هو العمل والإنجاز والتطوير.
تبقى مشكلة في الاختبار لدى الذين لديهم تقاطعات ضمن أكثر من مجموعة، ومع ذلك فإن الاختبار (وهو موجود على الشبكة لكن قد يحتاج دفع بعض المال ربما أقل من 5 دولارات)، يعطي الطالب علامات خاصة بكل مجموعة، وأضرب المثال بطالب أجرى هذا الاختبار، وحصل على 29 علامة كواقعي، و40 كاجتماعي، و39 كمحقق، و24 كمؤسس، و48 علامة كفنان، وأما التقليدي فأقل نسبة وهي 15، فمعنى ذلك أن توجهه الفني واضح، على عكس اتجاهه نحو منحى عمل تقليدي، وكوني أعرف الطالب عن قرب، فأنا أعتقد أن الاختبار كشف عن شخصيته الحقيقية، وهي الفنان، لكن أغلب الآباء والأمهات في العالم العربي يرفضون توجه أولادهم الفني، ورغم سعة عالم الفن ورحابة مجاله وعمق تأثيره فإن الغالبية ما زالت تنظر إلى الطب والهندسة على أنها كليات القمة، مع أن القمة الحقيقية هي حين يحقق الإنسان ذاته ويطوّر قدراته ويساهم في تنمية مجتمعه.