كنت في الفاتيكان عام 2005 بين مئات آلاف الإيطاليين وغير الإيطاليين جالسين في الشارع أمام كنيسة سيستين بانتظار الدخان الأبيض.

تصاعد الدخان من المدخنة العتيقة وتصاعدت معه أصوات الجمهور الذين كانوا ينتظرون الإعلان عن البابا الجديد للكنيسة الكاثوليكية. يومها تم انتخاب البابا بيندكت السادس عشر الذي يعد من أكثر الذين تقلدوا المنصب إثارة للجدل رغم الفترة القصيرة التي قضاها فيه.

البابا بيندكت، وهو عازف بيانو وعالم فلسفة يتحدث 5 لغات عالمية، تعامل مع كثير من المواقف الصعبة خلال وجوده في الفاتيكان، بما في ذلك الاتهامات التي وجهت إلى الكنيسة بارتكاب اعتداءات جنسية على أطفال. وقد تمكن البابا بيندكت من التعامل مع هذه الاتهامات ومع كثير من المواقف الدولية الصعبة بنفس المهارة التي تعامل فيها مع مشاكل الكنيسة الكاثوليكية الداخلية.

قرار البابا، ابن الـ85 عاما، بيندكت بالاستقالة من أرفع منصب في الكنيسة الكاثوليكية في 28 فبراير صدم الكثيرين في الفاتيكان وخارجه. وقال البابا إن استقالته تعود إلى تقدمه في السن والضعف الذي يشعر به، مما يجعله غير قادر على القيام بواجباته.

التخلي عن مثل هذا المنصب الرفيع ليس أمرا سهلا بالتأكيد. الكثيرون أعربوا عن تقديرهم للبابا على قراره الشجاع وعلى إعطائه درسا مهما في الواقعية حتى في هذا العمر المتقدم. وقد زاد من احترام المراقبين له إعلانه أنه لن يتدخل في عملية اختيار البابا القادم، والذي يفترض أن تنتهي عملية اختياره في أبريل.

كنت أقارن قرار البابا بالاستقالة مع ما يحدث في بلدي إيران، ولم أتمالك من الشعور بالاحترام البالغ للبابا بيندكت بسبب الأسلوب السلمي الهادئ الذي اختار أن يترك به المنصب الذي لم يعد يشعر أنه قادر على القيام بأعبائه. إنه مثال رائع للزعيم الديني الذي لم يلق بنفسه في مستنقع السياسة كثيرا، ومع ذلك استطاع أن يحصل على احترام جميع الشعوب وكان له حضور قوي في كثير من البلدان. في إيران، لا يقوم رجال الدين بتسيير أمور البلد والتدخل في كل شيء صغيره وكبيره فقط، لكنهم أيضا يحرصون على الاحتفاظ بسلطتهم ومزاياهم حتى آخر يوم في حياتهم. لا يهم كم يبلغون من العمر أو إلى أي حد تصبح قدرتهم على التفكير بشكل سليم محدودة، يحرص رجال الدين على الاستمرار في إلقاء خطبة الجمعة في طهران والقيام بمهام دينية أخرى غير آبهين بأنهم يعرضون ضعفهم وتخلفهم العقلي على الملأ.

في بلدي، إيران، رجال الدين هم أعضاء في البرلمان، وزراء، رجال أعمال، صانعو أفلام، حيتان في الإعلام، قضاة، محامون، ممثلون، زعماء أحزاب سياسية، مقدمو برامج تلفزيونية. باختصار، رجال الدين في كل مكان ويفعلون كل شيء باستثناء ما يفترض أن يفعلوه: خدمة الدين على الشكل الأمثل.

وهم مستعدون للقيام بأي شيء للحفاظ على مكانة وموقع سيدهم الذي وفر لهم هذه الفرص ليمارسوا منها السلطة والنفوذ. الإصلاح سيئ، تقاسم السلطة مع الآخرين سيئ، والمطالبة بالتغيير خطيئة لا تغتفر.

البابا بيندكت كان أستاذ فلسفة في ألمانيا وتولى منصب كاردينال قبل أن يتم اختياره ليصبح بابا الفاتيكان، أما رجال الدين في إيران فلم يكونوا ليصبحوا شيئا لولا ثورة آية الله الخميني التي فتحت لهم كل أبواب النفوذ والسلطة السياسية والتجارية والاجتماعية.

عندما يجتمع مئات آلاف الناس أمام كنيسة سيستين في الفاتيكان قريبا لمتابعة عملية اختيار البابا القادم، سيكون ملايين الإيرانيون منشغلين بعملية اختيار الرئيس الإيراني القادم.

في الفاتيكان، سينتظر الناس رؤية الدخان الأبيض الذي يؤشر إلى أن عملية اختيار البابا قد تمت بنجاح. أما في إيران، فإننا بدأنا نرى دخانا أسود يتصاعد منذ الآن. أبريل ليس شهر الانتخابات في إيران، لكنه الشهر الذي سيطلق فيه المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الدخان الأبيض وستعلن الموافقة على قائمة المرشحين للتنافس على الرئاسة في إيران. من يعبر من خلال مدخنة خامنئي سيدير البلد لمدة أربع سنوات قادمة. الرئيس القادم لإيران سيكون عليه التعامل مع الكثير من المشاكل الداخلية والخارجية التي تواجه البلد.

لا بد أن البابا يشعر بالكثير من السلام والأمان في داخله لأنه اختار الرحيل بهذه الطريقة الراقية، ولا بد أن صلوات أتباعه ستتبعه أينما ذهب. استقالة البابا ربما كانت أفضل تعبير عن حبه واحترامه لأتباع الكنيسة الكاثوليكية الذين يحيطون البابا بأقصى مشاعر الاحترام التي تصل إلى التقديس.

لا بد أن أقول إنني شعرت بالاحترام أيضا وأنا أقف أمام قبر الشاه الإيراني الأخير محمد رضا بهلوي في القاهرة. الشاه غادر بلاده في مرحلة مبكرة من الثورة للحفاظ على دم شعبه، وها هو يرقد في قبر متواضع مقارنة مع الضريح الفخم الذي أقيم لآية الله الخميني بعد وفاته.

أحيانا يكون الرحيل قرارا جيدا ويترك ذكرى طيبة عند الشعوب بدلا من البقاء والقتال وإراقة الدماء للاحتفاظ بمنصب أو كرسي.