-1-
رحم الله الأستاذ القدير والمترجم التنويري أحمد الشيباني، الذي ما زال يعيش بيننا بكتبه، وأفكاره، وترجماته الرائدة من الألمانية إلى العربية.
وأحمد الشيباني – لمن لا يعرفه - هو المثقف التنويري، والمهاجر السوري، الذي عاش، ورحل في المملكة العربية السعودية التي ضمَّت رفاته.
ولولا أن أحمد الشيباني وجد الحضن السياسي الدافئ، والعقل السياسي الثقافي النابه، لما استطاع أن يقدم للثقافة العربية ترجمة كتاب (نقد العقل الخالص) للفيلسوف الألماني الشهير كانط، رائد حركة التنوير الأوروبية، وكتاب المؤرخ الألماني رونالد سترومبرج الضخم (تاريخ الفكر الأوروبي الحديث 1601-1977) في أجزائه الخمسة.
وسيبقى أحمد الشيباني، ومن احتضنه، وشجعه، ودفعه إلى الأمام والإقدام، علامة مميزة وبارزة، في الثقافة العربية التنويرية المعاصرة.
ولنا أن نتذكر في هذه المناسبة، إضاءات ثقافية سابقة ومميزة في الحضارة الإنسانية، مما فعله الخليفة الأندلسي أبو يعقوب المنصور وابن رشد، في القرن الثاني عشر الميلادي. كما علينا أن نتذكر إمبراطور بروسيا (ألمانيا اليوم) (فريدريك الثاني، 1194-1250م) والسلطة السياسية/الثقافية التي مارسها في احتضانه ورعايته للفيلسوف الفرنسي فولتير، وترجمة معظم آثار الفقيه والقاضي الشرعي والفيلسوف ابن رشد، وبروز "الرشدية اللاتينية" بفضل دعم الإمبراطور فريدريك الثاني، والتي كانت منارة واضحة، ومؤثرة، من منارات التنوير الأوروبي فيما بعد.
-2-
يجب أن نؤكد، ويجب أن يعلم القارئ الفصيح والذكي، أن الخطوات الحضارية والمهمة، الثلاث التي اتُخذت في الأيام الماضية، لم تأتِ من فراغ. وإنما كانت امتداداً لعقل سياسي مستنير، وإيمان عميق وراشد، بأهمية السلطة الثقافية، لدعم السلطة السياسية، وتكافؤ السلطتين السياسية والثقافية. وكانت الخطوات السياسية/الثقافية الثلاث هي:
1- اختيار ثلاثين سيدة أكاديمية متخصصة لعضوية مجلس الشورى، في سابقة تاريخية/سياسية شجاعة.
2- السماح للسيدات السعوديات المتزوجات من غير السعوديين، بكفالة أولادهن وأزواجهن، وإقامة كافة أفراد عائلاتهن في الوطن. وكان لهذا القرار الحكيم عدة فضائل ومنافع منها:
- ممارسة المرأة السعودية لمواطنتها ممارسة كاملة، واعتزازها بهذه المواطنة التي تكفل لها العيش الآمن والمستقر، مع عائلتها الجديدة (الزوج والأبناء والأحفاد).
- توسيع دائرة اختيار المرأة السعودية للزوج الذي ترضاه، بغض النظر عن جنسيته العربية الأخرى.
- تنشيط زواج الفتيات السعوديات، اللاتي بلغت درجة العنوسة بينهن نسبة عالية.
- زيادة الانفتاح والتلاقح الثقافي بين السعوديين والعرب الآخرين، وبين المسلمين السعوديين والمسلمين الآخرين.
3- تمديد فترة الابتعاث العلمي والثقافي للطلاب السعوديين سنوات أخرى. لتمكين دفعات جديدة من الطلبة السعوديين للدراسة على نفقة الدولة في جامعات ومعاهد العالم المختلفة. وابتعاث الطلاب والطالبات إلى جامعات العالم بهذا الكم، وبهذا الزخم، وبهذا الكرم، يُعدُّ الآن أكبر حدث ثقافي في تاريخ العرب. فما زلنا حتى الآن، نشيد بمجموعة قليلة من الطلبة المصريين الذين ابتعثهم محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، إلى جامعات ومعاهد الغرب، ونعتبر تلك الخطوة من أسباب نهضة مصر الأساسية. فما بالنا اليوم نصمت، ونحن نرى آلاف الطلبة السعوديين، الذين تجاوز عددهم أكثر من 100 ألف طالبة وطالب يدرسون في كافة جامعات ومعاهد العالم في شرقه وغربه، وهناك دفعات جديدة قادمة، بموجب القرار الحكيم الأخير، بتمديد فترة الابتعاث سنوات أخرى، لتثبيت وتوسيع عصر التنوير الحضاري، الذي تشهده المملكة العربية السعودية الآن. فتلك هي القوة الحضارية المفيدة والراشدة لقرون طويلة قادمة.
-3-
هل هناك أية علاقة، بين ما تشهده المملكة العربية السعودية، من تقدم ملحوظ في التنمية الثقافية، والاجتماعية، والتعليمية للمرأة، وبين ما تحققه المرأة السعودية من إنجازات ونجاحات في مجالات مختلفة؟
لا شك أن القرارين اللذين اتخذهما الملكان الراحلان سعود بن عبدالعزيز، وفيصل بن عبدالعزيز، في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، وفي عامي 1959، و 1962 بفتح مدارس تعليم البنات، والتوسع في هذه المدارس فيما بعد، كان لهما أثرهما الكبير، في إنتاج نخب نسوية سعودية مميزة وراقية، استطاعت أن تصل إلى المشاركة في صناعة القرار الحضاري في مجلس الشورى، ليس بدوافع مختلفة، ولكن بميزة واحدة فقط، وهي الإنجاز العلمي التخصصي الذي حققته هذه الكوكبة من النساء.
ولولا ذلك أيضاً، لما تمَّ ما نشرته صحيفة الوطن، في 12/2/2013 ، نقلاً عن عدة مصادر إعلامية أخرى، من أن هناك خمس سعوديات في قائمة أقوى الشخصيات العربية في المجتمع والثقافة، حيث تصدرت الكاتبة السعودية وناشطة وحقوق المرأة السعودية ريم أسعد، بحلولها في المرتبة الأولى عربياً. حيث أطلقت أسعد في 2008 حملة وطنية لمقاطعة محلات الملابس النسائية التي لا توظف نساء، وحازت مبادرتها حينها على مؤازرة ومساندة دوليتين. ووظف عقب حملتها أكثر من 44 ألف فتاة سعودية في محلات المستلزمات النسائية. وإضافة لنشاطها في تشجيع عمل المرأة في المملكة، ساهمت بالحث على القيام بإصلاحات وتعديلات في قانون العمل السعودي.
أما المرتبة الثانية، فكانت من نصيب كل من سارة عطار، ووجدان علي سراج عبدالرحيم، اللتين شاركتا في أولمبياد لندن 2012 في بريطانيا، لتصبحا أول ممثلات للمملكة في هذه الفعالية الرياضية العالمية. ورغم أنهما لم تتمكنا من الفوز بأي من الميداليات والصعود على منصة التتويج، إلا أنهما كانتا حديث الصحافة والإعلام وأكثر الشخصيات جدلاً خلال الأولمبياد. وأصبحتا أول سعوديتين تشاركان في فعالية رياضية عالمية كهذه. حيث شاركت سارة عطار في سباق الجري لمسافة 800 متر، بينما نافست وجدان في بطولة الجودو. وكان للفتاتين دور بارز ومهم في تأسيس عصر جديد للمرأة السعودية لدخول غمار ميادين الرياضة والمنافسة في الأولمبياد.
وجاءت الناشطة منال الشريف في المرتبة الثالثة، وتم اختيارها كأكثر الشخصيات تأثيراً في 2012 من قبل مجلة التايمز الأميركية.
وقافلة الإنجاز الحضاري السعودي سائرة على الطريق.