لم تعد مسؤوليات إمارات المناطق متوقفة عند حدود المسؤولية الأمنية وتنفيذ الأحكام، بل اتسعت دائرة مسؤولياتها لتشمل الجوانب التنموية بكافة أشكالها تخطيطا ومتابعة ومحاسبة.. والحقيقة أن إناطة الأمور التنموية لإمارات المناطق خطوة مهمة وموفقة، إذ إن المنطقة هي أدرى بأمور التنمية من أي جهة أخرى، وتستفيد أيضا من صلاحياتها لتعزيز التنمية واستمرارها. لكن هناك مشكلة قد تكون حائلا دون وصول التنمية للمستويات التي نأملها جميعا.. وهي الجانب المالي الذي يعد المحرك الأساس والفاعل في التنمية.
إمارات المناطق لا تناقش ميزانياتها، بل تناقش الميزانيات على مستوى المركز.. وهذا يجعل التخطيط والتنفيذ والإشراف في مستوى أقل مما لو أن الأمر أعطي لإمارات المناطق من أجل التخطيط للمشاريع وتنفيذها.. ولنا في تجربة منطقة مكة المكرمة أسوة. وهي تجربة أرجو أن تتم دراستها بعناية، ومن ثم إعادة النظر في نظام المناطق بهدف منح أمراء المناطق مزيدا من الصلاحيات فيما يتعلق بما يأتي:
أولا: تحديد وإقرار الأولويات للمشاريع التي تحتاجها المنطقة.
ثانيا: تحديد وإقرار ميزانية المنطقة ومناقشتها مع وزارة المالية ولكل قطاعات المنطقة.
ثالثا: الإشراف المباشر على المشاريع وتقييم أدائها بالتنسيق مع الجهة صاحبة المشروع. رابعا: تعيين وإعفاء مديري عموم الإدارات في المنطقة ومديري الإدارات في المحافظات، وفق تقارير وخطط الإنجازات في كل قطاع.
خامسا: إعداد الخطط الخاصة بمشاريع المنطقة لإحالتها من مجلس المنطقة إلى وزارة التخطيط.
بلدنا قارة، والوزارات في المركز ثبت أنه يصعب عليها المراقبة والمحاسبة والإشراف والتنفيذ لجميع المشاريع في كافة أرجاء الوطن. مما أدى إلى وجود مشاريع "ضائعة" وضعيفة التنفيذ ومتدنية في مستوى الإنجاز. وأمير المنطقة يتلقى تقارير من الجهاز الحكومي في المركز، الله أعلم بمدى مصداقيتها.. وليست له صلاحية تعيين أو إعفاء مدير الإدارة في منطقته.. نعم يستطيع أن يوصي بذلك، يستطيع أن ينجح في التوصية بالتعيين أو الإعفاء، لكن الأمر يختلف عندما تكون للأمير مطلق الصلاحية في ذلك. ماذا لو كان توسيع صلاحية أمير المنطقة عن طريق الآلية الآتية:
اولا: تحديد وإقرار الأولويات بشكل نهائي عن طريق دراستها في مجلس المنطقة الممثل من كل الوزارات.. ويستطيع ممثل القطاع التفاهم مع مرجعه أثناء المناقشة.
ثانيا: يناقش مجلس المنطقة الذي يرأسه أمير المنطقة ميزانية منطقته بناء على الأولويات التي حددها ويناقشها مع وزارة المالية، مع الأخذ في الاعتبار خطة الدولة العامة، وتصرف بإشرافه.
ثالثا: الإشراف المباشر على التنفيذ من قبل جهة تتبع لإمارة المنطقة تقوم بإعداد تقارير دورية عن مراحل التنفيذ ترفع لأمير المنطقة.
رابعا: التشاور مع القطاع في تعيين وإعفاء مديري الإدارات بالمنطقة، ففي الوضع القائم للمنطقة الصلاحيات المباشرة للمحاسبة والإعفاء أو التعيين.. وهذا يحقق إيجابيات منها:
1- المساءلة المباشرة عن طريق الإمارة.
2- سهولة وسرعة الإجرءات المتعلقة بسير العمل في مشاريع المنطقة.. واتخاذ القرارت الخاصة بمعالجة السلبيات في سير العمل في القطاع، وسير العمل في مشاريع المنطقة.
3- سهولة وسرعة تعيين كوادر فاعلة والتخلص ممن لم تثبت صلاحيتهم بناء على رؤية المنطقة.
4- عادة تكون المنطقة أقل مجاملة من المركز الذي يتبع له القطاع.
5- يشكل مجلس المنطقة فرق عمل لإعداد الخطط للمشاريع التي تحتاجها المنطقة، وأثناء ذلك يمكن لكل قطاع التشاور مع وزارته في المركز.. ثم تناقش الأولويات في مجلس المنطقة برئاسة الأمير.. وتكون الكلمة الفصل في إقرار المشاريع (وليس التوصية بها) لمجلس المنطقة.
إذا أعطيت الصلاحية للمنطقة في كل ما سبق أمكننا تحقيق ما يأتي:
أولا: دراسة كل مشكلات المنطقة واتخاذ قرارات نافذة لحلها وتحديد أولوياتها وإقرارها، والتنسيق بين الجهات في إقرار مشاريع متكاملة. وبهذا تستطيع المنطقة أن تقر كل ما تريده من أولويات بشكل نهائي.
ثانيا: تتحمل عندها المنطقة مسؤولية القصور والمشكلات التي تحدث فيها.. ونتفادى بذلك ما يحدث الآن من رمي كل قطاع المسؤولية على الآخر.
إن تحديد جهة واحدة تتمثل في إمارة المنطقة لتحديد الأولويات وإقرار المشاريع ودراسة المشكلات والصرف والتنسيق بين القطاعات بأخذ قرار نهائي في كل ما سبق سيحلق بمستوى أداء تنفيذ المشاريع وتطوير المناطق والمحافظات والمدن والهجر. وقد قال قدماؤنا "أهل مكة أدرى بشعابها". فالمنطقة أقدر بمراحل كثيرة بمعرفة قضاياها والوصول إلى حلها وصرف ميزانيتها، لأن المسؤول التنفيذي في المركز يضع قرارات على بعد آلاف الكيلومترات، بينما أمير المنطقة يزور كل شبر في منطقته ويعرف بالضبط أين أفضل موقع لصرف كل قرش من الميزانية.
أقترح أن نبدأ في التطبيق حتى بشكل تجريبي لمدة خمس سنوات. وأنا متأكد أن المناطق لن تخذل من وضع الثقة فيها. دعونا ننطلق إلى مربعات كنا نخاف الانطلاق إليها.. الخوف من التجارب الجديدة هو أكبر عدو للتطوير. وخوض غمار تجارب جديدة دائما ما يكون فيه الخير.
وخلاصة القول: أدعو هنا إلى منح إمارات المناطق صلاحية مناقشة ميزانيات مشاريعها كافة للقطاعات كافة والصرف عليها. وهذا يعني أن تقوم كل إمارة بتحديد أولوياتها وإقرار مشاريعها والصرف عليها، فهي أدرى وهي الأقرب إلى معرفة الأولويات. هنا سيكون التخطيط أنجح والتنفيذ أسرع والمحاسبة أجدى.. هذا تماما ما أوضحته تجربة منطقة مكة المكرمة في التعامل مع مشاريع السيول في جدة. هذه تجربة أوضحت أن إمارات المناطق هي الأقرب والأعرف بمتطلبات المناطق.. والذي نأمله أن تتم دراسة هذا المقترح في ضوء تجربة منطقة مكة المكرمة.