أثارني خبر قرأته في أحد الصحف يحاول أن يمارس دور العطار في إصلاح ما أفسده الدهر، وذلك من خلال التفافة ذكية على الأرقام ومدلولاتها!! يقول الخبر: "48? من شركات النفط والغاز في السعودية تؤكد عدم تأثرها بالعوامل السلبية"!! ثم أكد الخبر في سياق السرد أن 48? من هذه الشركات عبرت عن "ثقتها" بعدم تأثرها بالعوامل السلبية رغم تأزم الأوضاع الجيوسياسية!! صياغة الخبر بهذه الطريقة مع إغفال آراء الشريحة الأكبر وهي 52% تفتح الباب لنا لأن نتصور أن هذه الشريحة غير متفائلة أو ليس لديها رؤية واضحة عن المسار. إنه تماما مثل من يريد أن يقول 48% من طلاب المدرسة قد تجاوزوا الاختبار (ليشعر نفسه بشيء من الزهو) بدلا من أن يعترف بأن 52% من طلاب مدرسته قد "رسبوا" في الاختبار.
قبل سنوات قلائل حاولت إحدى الدول الشقيقة أن تتجاوز أزمتها المالية وعزوف الزوار والسياح عنها بعد أن انخفضت نسبة إشغال الفنادق فيها بشكل مخيف، فوجهت الفنادق بأن تغلق عددا معينا من غرفها وتخرجها خارج الخدمة (أو خارج الحسبة) ثم أعادت حساب نسبة الغرف المشغولة وفقا لإجمالي الغرف الأقل بغرض أن ترتفع النسبة وتظهر بصورة أجمل!
نحن في عالمنا العربي للأسف أدمنّا لعبة الأرقام والنسب لتجميل الأخبار والأحوال لدرجة أصبحت لكثرتها في الفترة الأخيرة محل استغراب واستهجان يؤدي بالكثير إلى النفور منها وتكذيبها، وتفتح المجال للقيل والقال والإشاعات والأكاذيب. أصبحت عمليات التجميل والترقيع الرقمية أشبه بمن يصر على أن الشحرورة وقد تجاوزت كل خطوط الزمن ما تزال صبية الصبايا ويحاول أن يخفي كل خطوط الزمن وحفرياته تحت أرتال وأرطال من الماكياج، ليصدق كذبته. لعبة الأرقام هذه هي لعبة هامان وفرعون عندما أصرا على أن موسى وقومه "شرذمة قليلون" فكذبا على أنفسهما وعلى قومهما رغم ما أتاهم من الآيات فانتهى بفرعون الحال وهو غريق ليكون لمن خلفه آية وعبرة!! إنها مثل إعلان الحكومة الإيرانية عن طائرتها المقاتلة التي تبين للعالم بعدها أنها مجرد لعبة فوتوشوب!!
لعبة الأرقام هذه باختصار هي أخطر الألعاب لأنها تحاول تجميل الواقع من خلال "الأرقام" التي هي في ذاتها ذات المصداقية الأعلى لافتراض دقتها واستنادها لأسس علمية، ويستند أصحاب الأرقام المعلنة على أن الجميع مقر بصحة المعادلات فيتلاعب في المدخلات ذاتها التي تقوم المعادلات بحسابها.
إن خلو عالمنا من أنظمة صارمة بشأن الأرقام والإحصاءات والنسب يترك الباب على مصراعيه لعدم دقتها، بل ولما قد يصل لدرجة أنه تضليل للرأي العام وللقيادات العليا للدول التي ليس أمامها في كثير من الأحيان سوى أن تأخذ بهذه الأرقام عند اتخاذ القرارات فتكون النتائج عكسية، ومن باب ضرب المثل نورد ما جاء في المذكرة التوضيحية بشأن القانوني الإحصائي القطري أن الحكمة من إقرار العقوبات على المخالف لأحكام هذا القانون تكمن في عدد من النقاط منها "الأضرار البالغة في المخرج العام للبيانات التي تنتج عن المعلومة أو البيان غير الصحيح".
مما تعلمت في عالم الطيران "لكي لا تخدعك الأرقام التي تظهر أمامك على الشاشة تأكد دائما أن المدخلات صحيحة وأن أدوات الإدخال تعمل بشكل صحيح"، وهذا ما نحتاجه في عالمنا العربي عموما على مستوى القطاعين العام والخاص، إننا نحتاج لأنظمة دقيقة وصارمة تفرض على القطاعين دقة المدخلات، كما تفرض عليهما دقة الإفصاح عن النتائج دون تزييف.
لأننا في عالم لا يؤمن سوى بالأرقام، إننا بحاجة ماسة لأن تكون لدينا أنظمة صارمة بشأن الإحصاء والإفصاح على حد سواء، بحيث تكون جهات القطاع العام وكذلك جهات القطاع الخاص ملزمة بالإفصاح الرقمي الدقيق عن خططها السنوية وميزانياتها التشغيلية المحتملة وفقا لمدخلات صحيحة، وبحيث يعلن عن نسب الإنجاز بشكل علمي ودقيق، وأسباب التأخير أو التقدم في الإنجاز وآليات معالجته، وبحيث يعلن عن إنجازات الأعوام بشكل مقارن ببعضها البعض ليعرف المواطن (بشأن القطاع العام) والمستهلك (بشأن القطاع الخاص) مدى تحقق الوعود، ولتكون لديه آلية تمكنه من موضوعية المطالبة بدلا من التوهم والتخيل، إننا بحاجة لأن تعلن المرافق الخدمية التي تمس حياتنا اليومية ومستقبلنا مثل الصحة والتربية والتعليم والإسكان والنقل أرقامها على الملأ بشكل علمي ومهني دون اللجوء للأرقام الكبيرة التي تذكر في المطلق دون معايير منطقية ونسب علمية تدلنا على المستوى الحقيقي للإنجاز.
الإحصاء والإفصاح وما يتعلق بهما من أنظمة وآليات تطبيق صارمة وعقوبات رادعة هما المفتاحان الأهم للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لكي تقوم بمهمتها بالشكل الصحيح، فبدونهما سيبقى ما لديها من أرقام تحاول أن تقيم الوضع من خلالها من باب الاحتمالات، ولا يمكن أن تصل بها إلى القطعيات إلا ببحث وتحر سيأخذانها عن مسارها المراد لها.