لو فازت السعودية بالمركز الثامن في أولمبياد كرة القدم، لاحتفلت شوارعنا بحشود أبنائنا وبناتنا، وتصدّعت رؤوسنا بأبواق مركباتنا، واحتلت قصص فوزنا صدارة صحفنا ومجلاتنا. تنافس الدول على المراكز العالمية المتقدمة في جذب الاستثمارات الأجنبية لا يقل أهمية عن تنافسنا في أولمبياد كرة القدم، بل يفوقه مكانةً وقدراً، لما لهذه الاستثمارات من فوائد جمة على الاقتصاد الوطني لا تعّد ولا تحصى، عدا عن كونها مؤشراً حقيقياً ومرآةً صادقة لنجاحنا في تحقيق الملاءة المميزة التي تتطلبها هذه الاستثمارات في أسواقنا.

في الأسبوع الماضي صدر تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، الذي أشاد بالإمكانات الضخمة الكامنة للاقتصاد السعودي، وجهود الهيئة العامة للاستثمار، ومنظومة الأنظمة التشريعية السعودية التي ساهمت جميعها في اكتساب ثقة المستثمرين وجذب استثماراتهم في المشاريع الحيوية بشكل قوي.

أشار التقرير إلى أنه في الوقت الذي انخفض تدفق الاستثمار الأجنبي على مستوى العالم بسبب الأزمة المالية الأخيرة من 3000 مليار دولار في عام 2007م إلى 1100 مليار دولار في عام 2009م، نجحت السعودية، ممثلة بالهيئة العامة للاستثمار في جذب133 مليار ريال من الاستثمارات الأجنبية المباشرة ليرتفع إجمالي رصيدها إلى 552 مليار ريال بنهاية عام 2009م، ولتستحق بجدارة المركز الأول في العالم العربي والمركز الثامن بين دول العالم.

للمرة الأولى في تاريخ المنظمات العالمية المحايدة، حظيت العاصمة "الرياض" بقصب السبق بين دول العالم، لتكون المقر الأمثل لإعلان نتائج التقرير خارج المقر الدائم لمنظمة "الأونكتاد" الرابضة في مدينة "جنيف" معقل العولمة. هذه السابقة تدلّ على المكانة المميزة التي تحتلها السعودية في بوتقة الاقتصاد العالمي وثقل وزنها في التجارة العالمية.

الاستثمارات الأجنبية المتدفقة لأسواقنا السعودية التي فاق رصيدها 552 مليار ريال توزعت على عدد كبير من قطاعاتنا الحيوية، حيث احتلت صناعة البتروكيماويات المرتبة الأولى بنسبة 17%، تلتها صناعة تكرير النفط بنسبة 14%، والبنية التحتية بنسبة 12%، والخدمات المالية 11%، والمقاولات 10%، والصناعات الأخرى 8%، وخدمات النقل والاتصالات 5%، وتوليد الكهرباء والتحلية 4%.

احتلت أمريكا المرتبة الأولى في تدفق هذه الاستثمارات للسوق السعودي بنسبة 18%، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنسبة 13%، ثم اليابان بنسبة 10%، والكويت 9%، وفرنسا 7%، وهولندا 5%، والصين 4%، والبحرين والأردن 3% لكل منهما، وبريطانيا وألمانيا 2% لكل منهما.

منذ انضمامنا لمنظمة التجارة العالمية في ديسمبر 2005م، وعبر السنوات الخمس الماضية، نجحت الهيئة العامة للاستثمار في وضع السعودية على خارطة الاقتصاد العالمي، وحققت رصيداً ضخماً من الاستثمارات الوطنية والأجنبية المتدفقة في السوق السعودي، فاقت محصلته 1126 مليار ريال، كانت حصة الاستثمارات الأجنبية منها 49% بقيمة 552 مليار ريال.

هذه الاستثمارات ساهمت في إنشاء مئات المشاريع المحلية الحيوية، التي أثرت الإقتصاد الوطني بقيمة مضافة تعادل 100 مليار ريال سنوياً، وبلغ عدد السعوديين العاملين فيها 375 ألف مواطن بنسبة 27% من إجمالي العاملين، وفاقت مبيعاتها السنوية في عام 2009م ما قيمته 395 مليار ريال، بينما زادت مشترياتها المحلية عن 225 مليار ريال، وارتفعت صادراتها إلى 160 مليار ريال سنوياً لتدخل منتجاتنا الوطنية أسواق 120 دولة حول العالم.

وهذه الأرقام الحقيقية الموثقة وغيرها من النتائج المشّرفة لمسيرة الإصلاح الاقتصادي، التي أرسى قواعدها الملك عبد الله بن عبد العزيز، هي المرآة الصادقة لاقتصادنا الوطني، بل هي الدافع الأساس الذي منح المستثمر الوطني والأجنبي على حد سواء الثقة في أسواقنا المحلية، ليرتفع علم الوطن خفاقاً في المركز الثامن بين أكثر دول العالم جذباً للاستثمارات المباشرة.

المزايا التنافسية المتوفرة لدينا مثل النفط والغاز بأسعارها المنخفضة ووفرتها لا تكفي لقيام الصناعات التنافسية العالمية، وقد تصبح هذه المزايا دون جدوى اقتصادية مربحة إذا لم نوفر لها المزايا النسبية، مثل تشجيع تدفق الاستثمار الأجنبي وتوطين التقنية ورفع الكفاءة العمالية وفتح الأسواق العالمية للصادرات السعودية كما هو قائم في دول العالم الأول.

علينا أن نعلم أن الدور الذي تلعبه السعودية ومسؤولياتها تجاه الاقتصاد العالمي، والتي أملتها في المقام الأول مكانتها الفريدة كأكبر منتج ومصدر للنفط في العالم، لم تعد المعيار الوحيد لنجاح السعودية عالمياً. بل كان لمسيرة الإصلاح الاقتصادي المفعمة بالنشاط والحيوية، وعضويتها الفعالة في المنظمات الدولية أبلغ الأثر في تعزيز نجاحاتنا وتبوئنا المراتب العليا المتقدمة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

وعلينا أن نتمتع بالشجاعة الكافية للاعتراف بنجاحات مؤسساتنا الوطنية، ونبادر بنزاهة إلى ترويض أقلامنا والنهوض بقرائنا إلى أعلى قمم المصداقية وصدارة الشفافية. بل علينا تشجيع هيئاتنا الوطنية التي تسعى لرفع رايتنا خفاقة بين أعتى دول العالم في جذب الاستثمارات الأجنبية، وبشهادة المنظمات الدولية المحايدة.

صدق البارودي عندما قال: "ومن تكن العلياء همة نفسه...فكل الذي يلقاه فيها محبب".