طافت أمامي صور "لمى" و"تركي" و"غصون" و"رازان" ومعظم الأطفال الضحايا للتعنيف الأسري، حين شاهدت صورة الطفل ذي التسع سنوات التي نشرتها "الوطن" خلال متابعاتها منذ أسبوعين لقضيته، والذي سخر له جده؛ كي يرعاه ويكشف عن معاناته، فقد كانت على جسده جروح غائرة، وحروق ماء مغلي، صبه على جسده النحيل البريء والده ووالدته!، ولم أتخيل في يوم أن يصل أبوان إلى هذه البشاعة مع طفلهما! والمأساة أن هذه الأخبار باتت شبه يومية اعتادها المجتمع. أطفال تُهدر حقوقهم الإنسانية والنفسية والجسدية من أحد الأبوين أو كليهما، والنتيجة وصول الطفل أو الطفلة إلى المستشفى بحالة مزرية، أو يتحول إلى جثة هامدة في ثلاجة الموتى!، وكم باتت ثلاجة الموتى شاهد عيان على هكذا جرائم في حق الطفولة!. وحسبما نشر في الصحف، أن مدير وحدة الحماية الاجتماعية صالح الغامدي، أوضح أن متوسط عدد حالات العنف الأسري يترواح بين 25 إلى 30 حالة شهريا تجاه الأطفال والنساء، تنوعت بين عنف نفسي وجسدي وتحرش واعتداء وغير ذلك، وذكر ملاحظة تزايد حالات تعنيف الأطفال! وهذا الأمر في منطقة مكة المكرمة، فما بالنا ببقية المناطق خاصة النائية التي يقل فيها الوعي ووسائل التبليغ!، وكل هذا يفرض على مؤسسات المجتمع المتخصصة دراسة هذه الظاهرة بدقة، فلماذا أصبح العنف شرسا تجاه الأطفال؟ أهكذا تكون التربية.. بالتعذيب والموت؟ أم أن هناك تشوها في رؤية القيمة الإنسانية واسترخاصها عند بعضهم، لتظهر هذه الأمراض بعد الزواج وتأسيس أسرة، طرفيها أو أحدهما غير مستعد ولا مؤهل لتأسيسها؛ نتيجة تبلد الأحاسيس!. ربما هناك لوثة اجتماعية نتيجة بعض العادات والتقاليد البليدة، جعلت من الزواج لا يخرج عن مجرد "سرير"، دون وعي بقداسة تلك المسؤولية قبل الإقدام على هكذا خطوة، فالفتاة تتزوج لتهرب من جحيم أسرة تُحرم عليها متع الحياة بحجة أنها "بنت"، أو هروبا من لقب "عانس"، أو من ولي ظالم في ظل مؤسسات مجتمع لا تراها كاملة الأهلية إلا برجل، فيما الشاب يتزوج؛ لأنه يريد "التحصين"، فضلا أنهما يقدمان على الزواج دون معرفة بعضهما، أي "شختك بختك" ومثل "البطيخة يا بيضة يا حمرة"، دون أدنى مسؤولية تجاه علاقة كل منهما بالآخر، ومن ثم تجاه من سينجبونهم؛ تلبية لغريزة الأمومة والأبوة فحسب، دون إدراك لمعنى غريزة البنوة؛ لأن الخادمة ستلبيها!. والمأساة تتفاقم حين تعتقد الزوجة أنها بإنجابها الأطفال "تربط" زوجها عن غيرها أو حين يكون الزوج فاسدا، وتظن أسرته أن إنجاب المزيد من الأطفال سيؤدي إلى "إصلاحه"!، كل هذه الصور وغيرها من التشوه تُهدر حقوق الأطفال، وتزيد من معاناتهم لتخرجهم التربية المشوهة أفرادا فاقدي القدرة على ممارسة دورهم أيضا كآباء وأمهات!.

حقوق الأطفال لا تبدأ بعد إنجابهم، بل منذ اللحظة التي يختار فيها أحد الزوجين الآخر، ويتخذان قرار إنجابهم، وكفانا إهدارا للطفولة!.